إخلاص العمل من الغش، ومنه التوبة النصوح، وفي الحديث: «الدين النصيحة» أخرجه مسلم، وفي الدين يتوجه الناصح بنصيحته لسواد الناس وأئمتهم، وقوم نوح عزفوا عن النصح وأرادوا الغواية. وكان نوح يعدّ نفسه أخا لهم، (إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ) (الشعراء 106) ، وأخوّته أخوة نسب ومجانسة لا أخوة دين، ودعاهم فقال: (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ(23) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) (25) (المؤمنون) . والجنّة التي اتهموه بها هي الجنون، نسبوا إليه أنه لا يدري ما يقول، لأنه كان طاعنا في السن، وعزّاهم أنه عما قريب يتوفى ويريحهم. وقالوا تأكيدا وإصرارا: (ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) (27) (هود) ، والملأ هم الرؤساء، مليئون بالمال والولد، وبما يقولون ويفعلون؛ والأراذل جمع الأرذل، والرّذل هو النّذل، أرادوا اتّبعه أخساؤهم، وسقطهم، وسفلتهم، وفقراؤهم، وما كان عليه في ذلك عيب، فالأنبياء والمصلحون والفلاسفة وأصحاب الثورات ليس عليهم أن يؤمن به هذا أو ذاك من الناس، فما يهمهم هو تغيير المجتمع للأفضل، وحجب الناس عن الباطل، وأن يعتقدوا الحق، ولذا كان عملهم البراهين والآيات، وما من نبيّ أو مصلح إلا وهو يخاطب الناس كافة فقراءهم وأغنياءهم، فإذا اتّبعه الدنئ لم يلحق النبيّ أو المصلح من ذلك نقصان. والديانات ثورات كالثورات، والإسلام ثورة، وثورة الإسلام ثورة دائمة، فإن بحثت عن مبدأ الثورة الدائمة الذي يطلبه أهل الفلسفة حثيثا، فلن تجده إلا في الإسلام، وليست الحرب التي يشنونها عليه الآن بعد ألف وخمسمائة سنة من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا لأن الإسلام دائم الثورة! ولو سأل سائل: أي الناس يتّبع الدين؟ وأيهم يظاهر المصلح؟ لكان الجواب: إن الضعفاء هم الذين يتبعون الرسل والمصلحين، لأن الرئاسة أصلا معقودة في المجتمعات للأشراف، وهؤلاء لا يرضيهم أبدا أن ينفكوا منها، ولذا تكون إراقة الدماء في دعوات الأديان وفي الثورات عامة. والسيد الغنى يأنف من الانقياد للغير، وأما الفقير فهو خليّ عن كل هذه الموانع، وسريع الإجابة