فهرس الكتاب

الصفحة 1688 من 2524

أجنبية من زوجاته كان لها إلهها، واحترام آلهة الأغيار هو احترام لإله اليهود، لأنه دعوة لغير اليهود أن يحذو مع إله اليهود حذو اليهود، وحذو سليمان مع آلهتهم. وصورة سليمان في كتب اليهود بخلاف صورته في القرآن، فهو من ذرية إبراهيم، ومن المحسنين (الأنعام 86) ، وآتاه الله العلم، وفضّله على كثير من المؤمنين، كقوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (16) (النمل) ، قيل: ورث سليمان نبوة داود وملكه، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاد داود في المال سواء، ولانقسم المال بعددهم، ولكنها كانت وراثة نبوة، فلم تكن فيها أولويات للأكبر سنا. والأنبياء لا يورثون المال ولكنهم يورثون النبوّة والحكمة، وفي الحديث: «إنا معشر الأنبياء لا نورث» ، ونحوه: «العلماء ورثة الأنبياء» . وكان سليمان أعظم ملكا من داود، وأقضى منه (انظر قصة سليمان وداود وغنم الحرث) ، إلا أن داود كان أشد تعبّدا من سليمان، ولم يحدث أن سخر الله لملك ما سخّره لسليمان من الإنس والجن، والطير والوحش، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين. وقام سليمان بعد أبيه بشريعة موسى ولم ينسخها بالرغم من أنه نبيّ، وكذلك فعل داود، إلى أن بعث المسيح فنسخها. وكان علم سليمان بمنطق الطير، أي بأصواته وما يمكن أن تعنيه، والدراسات في ذلك الآن كثيرة فلا غرابة في ذلك، قال تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (17) (النمل) ، والحشر هو: الجمع، وكانوا من كثرتهم يوزعون، أي يكفّون ويردّ أولهم إلى آخرهم، والتوزيع بمعنى التفريق، والوازع هو السلطان، والناس لا بد لهم من وازع يزعهم، والوزعة هي التي يوزع بها، ومن أقوال عثمان بن عفان: «ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن» ، يعني حدود القرآن تردع الناس أكثر مما تردعهم قدرة السلطان. ومن أجمل القصص القرآني قصة النملة مع سليمان وجنوده (انظر قصص القرآن) ، قالت لأخواتها: (ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (18) (النمل) ، ففهمها سليمان وتبسّم ضاحكا لقولها «وهم لا يشعرون» ، إشارة إلى الدين والعدل والرأفة. والنمل له منطق، والدراسات في حركاته وإشارته كثيرة، وهي لغة من لغات الحشرات، وجميعها تتفاوت لغاتها بتفاوت أفهامها، والعلماء على القول بأن أعقل الطير هو الغراب، وأعقل الحشرات النمل والنحل، وأعقل الحيوان الحمار. ويستوجب هذا العلم الشكر من سليمان، فقال في دعائه: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) (19) (النمل) . وقصته الأخرى كانت مع الهدهد، فلمّا افتقده جاء إليه يعتذر أنه أحاط بما لم يحط به، وتلك دلالة على أن فوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت