فهرس الكتاب
كل ذي علم عليم، وما لم يحط به هو عبادة أهل سبأ وملكتهم للشمس من دون الله، فقال سليمان: (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) (27) (النمل) ، وذلك دليل على أن الحاكم عليه أن يقبل العذر. وسبأ مدينة باليمن، والهدهد طير معروف، وهدهدته صوته، وتهديد سليمان له تطبيق للقاعدة الشرعية: أن الحدّ على قدر الذنب لا على قدر الجسد. - وقوله: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) (النمل 23) ، كانت المرأة هي بلقيس، والاسم يونانى، وأطلق المسيح عليها ملكة التيمّن، وعبادة الشمس كانت هي العبادة السائدة عند الكثير من الشعوب. وأرسل إليها سليمان كتابا يدعوها وقومها إلى الله الواحد، ولأول مرة يأتي ذكر «بسم الله الرحمن الرحيم» يبدأ بها كتاب، فتكون من بعد هذه السورة فاتحة كل شيء، ومن حكمة بلقيس لجوؤها إلى المشورة، وقولها المأثور: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً) (النمل 34) ، واستعان سليمان عليها بالجن، والعفريت هو الرئيس من الجن، والجن يعني الشاطر الأريب، ولذلك أخذوا منها في اللغات الأوروبية اسم genius ، يعني العبقرى، يعني من آل عبقر وهم قوم من الجن، وكانت الجن أو الجنّى genie ، تعمل لسليمان ما شاء من محاريب وتماثيل وجفان وقدور، ومما اشتهر في ذلك خاتم سليمان، ذكرته قصص ألف ليلة وليلة، وكان إذا دعك عليه صاحبه يأتيه عفريت من الجن يلبى له ما يشاء، قيل اسمه آصف، ولمّا توفى سليمان وجدت فرقة من اليهود تعلّم السحر بعده، بدعوى أن السحر كان علم سليمان ولا شيء سواه: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ) (البقرة 102) ، فالشياطين للطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم، استخرجوا علما يغيّرون به الأشياء بسرعة أكثر من سرعة البشر، وبدقة أكثر، فذلك ما علّموه لهاروت وماروت، فكانوا يعلّمان الناس بدورهم أحاجى يفرّقون بها بين المرء وزوجته، فهل كانت أحاجيهم تفعل فعلها وتؤتى ثمارها؟ يقول القرآن: (وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (البقرة 102) ، أي بإرادته وقضائه لا بأمرهم. وإذن فلم يكن سليمان يستعمل السحر، ولا كان يتعلمه، ولا كان يعلّمه وكما قال تعالى: (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) (البقرة 102) ، لأنهم بعده صاروا يعلمون السحر ولا يزعهم أحد. وأما سليمان فكان التّقيّ، وقال تعالى فيه: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (30) (ص) وأوّاب يعني مطيع، والسبب في وصفه بهذه الصفة في قوله تعالى: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ(31) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) (33) (ص) ، والصافنات الجياد هي الخيل، جمع جواد،