فهرس الكتاب

الصفحة 1727 من 2524

الآية الثانية في سورة ص مع إسماعيل واليسع، وفي الآية الأولى هم ثلاثة، وفي الثانية هم ثلاثة، بتغيير اسم إدريس إلى اليسع، وذلك ما جعل بعض المفسرين يظنون أن إدريس هو اليسع! ونلاحظ أنه في الآيتين فإن ذا الكفل كان من الأخيار، المتقين، الصالحين، الصابرين، الذين دخلوا في رحمة ربّهم. والكفل في اللغة لها معان كثيرة ولا يصلح منها لتفسير ذي الكفل إلا أن يكون الكفل بمعنى الكفالة، فهو صاحب كفالة، وصاحب الكفالة الوحيد في القرآن هو النبيّ زكريا، فلما اقترعوا على مريم بأقلامهم، قرعهم النبيّ زكريا، فكفلها دونهم، فقال لذلك بعض المفسرين إن ذا الكفل المقصود به زكريا. وارتأى المستشرق جايجر في قصة النبيّ عوبديا Obdiah في التوراة شبها لما عدّده القرآن من صفات لذي الكفل وتنطبق على عوبديا دون غيره. وكان ذو الكفل إسرائيليا، وعوبديا كان كذلك، ويأتي عنه في سفر الملوك الثالث: أنه كان قيّم البيت، وكان شديد التقوى، وأنه تكفّل بحماية أنبياء بني إسرائيل، فأخذ مائة منهم وأخفاهم، كل خمسين في مغارة، وعالهم بالخبز والماء، وصبر على ظلم الطاغية أخاب، والتقى بالنبيّ إلياس الذي كلّفه أن يلاقيه بأخاب، وخشى عوبديا أن يقتله أخاب إن عرف أنه يعرف إلياس والتقاه، وخشى كذلك أن يظن به إلياس أنه يخشى أخاب أكثر من خشيته لله، فذكّره بأنه منذ صباه كان لا يعرف إلا تقوى الله، فقال له إلياس إذن فالله معك. ولقد كان، وأبلغ عوبديا الرسالة لأخاب. وتكفل عوبديا بأمر الأنبياء المختفين من ظلم الملك، وتكفّله بإبلاغ الملك رسالة إلياس، هما سبب إطلاق اسم ذي الكفل عليه. على أن جايجر رأى سببا آخر في اللغة مردّها أسلوب العيش عند الإسرائيليين، فالكفل الذي ينسب إليه ذو الكفل كان عندهم الرداء الذي يضعونه على الجسم كالعباءة، ويتألف من رقيقتين من القماش السميك، ومن ذلك ما يأتي في سفر الملوك عن رداء النبيّ إلياس الذي ضرب به نهر الأردن فانفلق، فلما رفع إلياس إلى السماء أعطاه للنبيّ اليسع. وعوبديا بهذا التفسير كان يتميز بكفله الذي لا يخلعه عن نفسه، وربما لهذا كان اسمه ذا الكفل. وكان فعلا من الأخيار والصالحين ومن الرسل، بدليل نبوّته التي تعدّ النبوّة الرابعة من نبوات الأنبياء الصغار، وله صفحة واحدة من إحدى وثلاثين عبارة، تؤلف سفرا يعتدّ به ضمن أسفار العهد القديم، ويعتبر السفر الحادى والثلاثين، ويتضمن بشارة ونذارة، فأما البشارة فهي للمؤمنين بالله بأن الله سينصرهم عمّا قريب، وأما النذارة فهي أن الساعة قريبة وأن الجميع ملاقوا الموت، وأنه أمر محتوم، وعندئذ يلاقى المجرمون ما يستحقون، ويكون الملك للربّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت