فهرس الكتاب

الصفحة 1826 من 2524

والمعراج كحدث، مستقل إذن عن الإسراء - من قولنا عرّج به أي مرّ به، والمعراج سفرة فيها تعاريج، أي لم تكن على خط واحد، والسفر عبر الفضاء علميا لا يكون في خط واحد، وكان المعراج بين الأرض والسماء، وبين السماوات السبع. والإسراء لاحق على المعراج، وللأسف الشديد أن المفسرين خلطوا الرحلتين، وجعلوهما رحلة واحدة، ووضعوا الأحاديث على ما فهموه، أو حرّفوا فيه، فكان الخلط بين الإسراء والمعراج، ولعلنا ننتقى من هذا الكم الزاخر من الأحاديث ما يوافق ما جاء في القرآن عن الإسراء وعن المعراج، وننحى ما لا يوافقهما، أو نعيد الرأي في هذه الأحاديث، ونعزل ما يناسب الإسراء عمّا يناسب المعراج. وينبغي أن ننبّه إلى أن كل هذه الأحاديث، رغم ما فيها من خلط وروايات متضاربة، فإنها معقولة ولا تتنافى مع العلم. ومن الضرورى أن نعى أن الإسراء شامل للسفر إلى بيت المقدس وتلقّى الوحي بالصلاة، فهذه رؤيا، بينما رؤيا سورة النجم رؤيا أخرى، وفيها أبصر جبريل في صورته الملكية، وعاين سدرة المنتهى وجنة المأوى ورأى الآيات العجيبة. والإسراء كحدث ضخم كان قبل الهجرة، والناس فيه اختلفوا أشد الاختلاف، وبعض الذين آمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصدقوا إمكان أن يسرى به ذهابا من مكة إلى بيت المقدس ثم إيابا من بيت المقدس إلى مكة في ليلة واحدة، وهي الرحلة التي تستغرق معهم ذهابا فقط نحو الشهر. وتزعّم أبو جهل المكذّبين للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيما أورده المحدّثون فإنهم نسبوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان نائما في البيت الحرام حينما جاءه ثلاثة نفر حملوه إلى حيث بئر زمزم، وتولى جبريل شق صدره، وغسّله وغسل جوفه، وحشاهما بالإيمان والحكمة، ولنلاحظ الرمزية في هذه الأحاديث منذ البداية وسنرى أن الاتجاه الرمزى هو الاتجاه الغالب في هذه الأحاديث، وأنه يصنع منها بابا من أبواب الأدب الإسلامي هو الأدب الديني الرمزى. وفي رواية أخرى بخلاف السابقة أن النبيّ وهو بين النوم واليقظة، وعيناه مغمضتان وقلبه يقظان، رأى سقف بيته ينشق ويدخل منه جبريل، ويشق صدره، ويغسّله بماء كان معه من ماء زمزم. ثم أخذه وأركبه دابة، لونها أبيض، ولها هيئة أكبر من الحمار ودون البغل، وهذه الدابة هي البراق، من البرق، والبرق يكون خاطفا، وهي البراق لأنها تسير كالبرق الخاطف، فسرعتها أكبر من سرعة الصوت ومن سرعة الضوء. وفي الطريق توقف لا ركب، وهمز جبريل الأرض فتدفق منها الماء، فتوضأ والنبيّ ينظر ويحفظ ويقلّده عليه، فوضّأ جبريل وجهه وغسّل ذراعيه، واستنشق وتمضمض، ومسح رأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين، ونضح فرجه، ثم قام فصلى ركعتين وفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت