فهرس الكتاب
وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (21) (النور) . والقصة: أنه لمّا خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غزوة بنى المصطلق - غزوة المريسيع، وقفل ودنا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقامت عائشة فمشت حتى جاوزت الجيش لتتغوّط، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرّحل فلمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار (الخرز) قد انقطع، فرجعت فالتمسته، فحبسها ابتغاؤه، ثم وجدته وانصرفت فلم تجد أحدا، وكانت شابة قليلة اللحم، فرفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه، فلمّا لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها، فنامت في الموضع، ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطّل: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! وذلك أنه كان قد تخلّف وراء الجيش لحفظ الساقة، أي ما ينسونه من حوائج. وقيل إنه لمّا استرجع استيقظت لمّا سمعت صوته، ونزل عن ناقته وتنحّى عنها حتى ركبت، وقادها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة، فوقع أهل الإفك في مقالتهم، وكان الذي استوشاه عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة، فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها. وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل! وكان من قالته حسّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. وفي هذه الآيات فإن العصبة التي باشرت الإفك كانوا ربما ثلاثة، أو أربعة، أو أكثر من ذلك، فربما بلغوا أربعين، إلا أن الذين روّجوا له ولاكوه واشتهروا به كانوا هؤلاء الثلاثة: حسّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. وبرّأت عائشة حسّان بن ثابت، وجزمت الروايات بأن عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق لم يجلد، وقيل في ذلك سبب غريب، قيل: لأن الله تعالى قد أعدّ له في الآخرة عذابا عظيما، فلو حدّ في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه! فما ذا لو فعلنا ذلك في كل الحدود والمعاصي ولم نعاقب أحدا اعتمادا على نفس السبب؟! ولكن العقوبة لها جانبان: حقّ الناس والمجتمع، وحقّ الله، والأول يكون في الدنيا، والثاني في الآخرة، وفي المحاربة مثلا قد يتوب المحارب ويغفر له الله، ولكن ذلك لا يسقط حق المجتمع في عقابه في الدنيا. والناس سواء، فلماذا يعاقب اثنان، ويعفى من العقوبة واحد؟ والآية صريحة في عقاب من تثبت عليه تهمة القذف، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ(4) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (5)