فهرس الكتاب

الصفحة 1855 من 2524

(النور) ، ويبدو أن الجميع لم يحدّوا وقيل في ذلك: إن الاستثناء من الجلد والفسوق وردّ الشهادة أبدا، لا يكون إلا إذا تاب القاذف وظهرت توبته، فحينئذ لا يحدّ، وتقبل شهادته ويزول عنه التفسيق، والله يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ) (82) (طه) . وكانت حمنة أختا لزينب بنت جحش زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمها كانت أميمة بنت عبد المطلب، وخالها حمزة بن عبد المطلب، وزوجها مصعب بن عمير، وحضرت أحدا وكانت تسقى العطشى وتداوى الجرحى، وأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر ثلاثين وسقا، وتزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمد بن طلحة السجّاد، فكيف تتّهم بأنها قذفت عائشة وروّجت للإفك؟ وقيل: إن عائشة لمّا سمعت ما يتهمونها به مرضت وجاءتها حمّى بنافض، يعني برعشة، غير أن مرض عائشة بحسب التشخيص الحالى «الملاريا المزمنة» ، وتأتيها على فترات، ومن أعراضها هذا النفض أو الرعشة، فلم يكن ذلك إذن بسبب الحزن على اتهامها، ولمّا جاء النبى صلى الله عليه وسلم يعودها وقالوا له: أخذتها حمى بنافض، قال: «فلعل في حديث تحدّث به» ، فما سمعت عائشة قوله صلى الله عليه وسلم حتى اعتدلت في نومتها وقالت: والله لئن حلفت لا تصدقونى! ولئن قلت لا تعذرونى! مثلى ومثلكم كيعقوب وبنيه، والله المستعان على ما تصفون. وانصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا، فأنزل الله عذرها، قالت: بحمد الله لا يحمد أحد ولا بحمدك - أي النبيّ صلى الله عليه وسلم! وصفوان بن المعطّل: الذي اتّهمت به عائشة كان حصورا لا يأتي النساء، وقال عن نفسه: والله ما كشفت كنف أنثى قطّ - يعني لم يزن أبدا، وقتل شهيدا في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمن عمر، وقيل ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية.

والناس مختلفون بشأن من ذكرنا في الإفك: هل خاضوا في الإفك فعلا؟ وهل جلدوا الحدّ؟ وحتى مسطح فأمره مشكوك فيه، ولم يثبت عنه قذف صريح. والرأي الغالب كما قلنا أنه لم يحدّ أحد من أصحاب الإفك، لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة، ولم يفرضها الله لنقيمها بمجرد القول والخبر. وقوله تعالى: (لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) (النور 12) ، عتاب منه تعالى للمؤمنين في ظنهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا، وكان ينبغي أن يقيسوا الأمر على أنفسهم، وقد فعل ذلك أبو أيوب الأنصارى وامرأته، فلمّا دخلت عليه امرأته تخبره قال لها: كذب! أكنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟! فعائشة والله أفضل منك! وقوله: (لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) (النور 13) توبيخ لأهل الإفك، فما لم يتوفر الشهداء فالمدّعى كاذب، والناس يحاسبون بما يظهر من أعمالهم، وأحكام الدنيا على الظاهر، ولولا فضل الله لترتبت فتنة كبيرة على الإفك ولحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت