الخطى إلى الخير. والسعى مشقة تزيد في حالة ابن أم مكتوم بسبب عماه، فهو إذا سار تحسّس طريقه، وعانى أشد المعاناة ليصل إلى مبتغاه، وفي الواقعة التي مدارها سورة عبس كان النبيّ صلى الله عليه وسلم مشغولا بجماعة من أعيان قريش من ذوى المكانة واليسار، فلمّا وصل ابن أم مكتوم لم يجده مهيئا لاستقباله، ولا لتلقى أسئلته والجواب عليها، وكان يجادل أعيان قريش لعلهم يهتدون فيهتدى بهم آخرون، فقطع ابن أم مكتوم عليه حديثه معهم وظل يأتيه عن شماله وعن يمينه ليسأله ويلحّ في السؤال، وظل يقول: يا رسول الله! أرشدنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يستكمل حديثه مع أضيافه، فأشاح عنه، وظل ابن أم مكتوم يلاحقه حتى تضايق منه، وعبس، وظل الرسول صلى الله عليه وسلم مع ذلك يقول لمحدثيه: يا فلان! هل ترى بما أقول بأسا! فيقول محدّثه: لا والدمى - يعني والصنم وهو ما يتعبّده، كقولنا: لا والله. ولم يكن هؤلاء الأعيان من الكفرة يرون إلا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يجمع إليه أصحاب العاهات والزمنى والحمقى والسفلة والعبيد، وفي ذلك قالت عائشة: إن رسول الله جعل يعرض عن ابن أم مكتوم ويقبل على الآخرين - تقصد القرشيين. وقيل: كان ممن تشاغل بهم عنه: الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وعتبة بن أبي ربيعة. وقيل: لم يكونوا جماعة بل شخصا واحدا فقط هو عمّه العباس. وقيل: بل كانوا جمعا، ومنهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة. ومن الرواة من يسهب فيما كان يقوله ابن أم مكتوم وهو يقاطع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك كان يقول: يا رسول الله، علّمنى مما علّمك الله! وجعل يناديه باسمه يقول: يا محمد!. وكل هذا باطل وبهتان، فما عرف عن ابن أم مكتوم إلا الأدب والتبجيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعذر لعماه فلم يلحظ انشغال النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا مع من كان يتحادث، وكانت الحادثة لذلك تذكرة للنبيّ صلى الله عليه وسلم كما وصفها الله تعالى، إلا أن المفسرين أسرفوا في نقد سلوك ابن مكتوم، ووصفوه بسوء الأدب لذلك إن كان قد علم بعد لأى انشغال النبى صلى الله عليه وسلم، والحق أن ابن أم مكتوم كان يتمتع بحدس قوى وبوسعه أن يخمّن من كان يحادثهم رسوله، وأن يلمس بنفسه انشغاله، ولكنه فيما يبدو كان يرى أن مهادنة الكفرة ليست من السياسة، وكان يتيه بإسلامه عليهم ويعتز به ويفخر، وابن أم مكتوم عرف عنه لذلك أن عماه في بصره وليس في قلبه، ووصفه ربّه خير وصف فقال: (وَهُوَ يَخْشى) (9) ، والذي يخشى الله هو التقيّ، والتقوى جوهر الإيمان، وهي الإسلام في حقيقته، وعلى عكس ذلك كان وصفه تعالى لموقف النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: (فَأَنْتَ عَنْهُ