فهرس الكتاب

الصفحة 1862 من 2524

تَلَهَّى) (10) ، أي يعرض بوجهه ويشغل بغيره، وأصلها تتلهى، تقول لهيت عن الشيء ألهى، أي تشاغلت عنه، والتلهّى التغافل، وقوله تعالى: (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) (11) كلمة ردع وزجر، أي لا تفعل مثلها بعد ذلك أبدا، وما فعله النبيّ صلى الله عليه وسلم هو أنه أقبل على الغنيّ الكافر، وأعرض عن المؤمن الفقير، والدرس المستفاد من القصة: أن الإسلام دين مساواة لا يحابى الأغنياء على حساب الفقراء، ولا يحفل بالأشراف ويتناسى الضعفاء، ولا يخشى المستقويين ويستقوى على المستضعفين، فالناس في الإسلام سواء، من كان منهم فقيرا أو غنيا، ومن كان من الكبراء أو من الصغراء، ومن الرجال أو من النساء، ومن الأعيان أو الهمّال، فإن أردت تطبيقا للمساواة في العالم كله، فليس أوضح ولا أحسن من واقعة أعمى سورة عبس في القرآن، وليس أكبر من ذلك كلام في المساواة، والحادثة جليلة، فمن شاء أن يتّعظ بها فليتذكر هذا الفقير المعوّق الأعمى، كيف رفعه الإسلام، فذكره في صحف القرآن المكرمة، كتبها سفرة بررة، أسفروا عنها ووضّحوها، وربما المقصود بهم الملائكة، حفظوا الحادثة في كتاب لا يضيع ولا يبلى، أو أنهم أصحابه صلى الله عليه وسلم، الكاتبون لآيات التنزيل ولم يكن العتاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم مع ذلك إلا عتاب المحب لحبيبه، أو المعلم لتلميذه، وأخبر القرآن عنه بالغائب وقال (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ولم يقل «عبست وتوليت» ، تعظيما لشأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم واجهه بالخطاب تأنيسا له فقال: (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) (3) ، أي ما يعلمك أنه قد جاءك يستزيدك من العلم بالدين فيزداد طهارة وتزول عنه ظلمة الجهل؛ أو أن الاستفهام في الآية يعني: هل بإعراضك عن المؤمن، تظن أن الكافر سيهتدى كما تطمع؟ ويروى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد هذه السورة، كان إذا رأى ابن أم مكتوم قادما إلى مجلسه، بسط له رداءه يقول: «مرحبا بمن عاتبنى فيه ربّى» ، وكان يسأله على الدوام كلما رآه وسلّم عليه: «هل من حاجة؟» واستخلفه على المدينة في ثلاث عشرة غزوة، وكان ابن أم مكتوم يصلى بالناس وهو أعمى، ويخطب إلى جنب المنبر، ويجعله على يساره، وكان إذا حضر النبيّ صلى الله عليه وسلم أذّن بلال، وأقام ابن أم مكتوم، وربما يؤذن ابن أم مكتوم ويقيم بلال، وفي رمضان كان بلال ينادى بليل، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم، وكان بسبب عماه لا ينادى حتى يقال له: أصبحت أصبحت - يعني ينبّهوه أن الفجر قد حان - وكان يتوّخاه ولا يخطئه.

وهذا الأعمى الذي يخشى الله تعالى وتحدّث فيه القرآن بما تحدّث، وأعلى من قدره، ورفعه إلى السماكين، لم يستنكف اليهود أن يشنّعوا عليه، فقالوا إنه قتل يهودية من أهل المدينة كانت ترفقه - يعني ترشده في سيره، ولكنها كانت تؤذيه في دينه وتسخر منه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت