فهرس الكتاب

الصفحة 1864 من 2524

فضربها، قيل فقتلها ضربا، أي ضربها فأوجعها، وقيل يعني ضربها ضربا أفضى إلى الموت، ورفع أمره إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فدافع عن نفسه بأنها كانت تؤذيه في الله ورسوله، قيل إن النبيّ حكم بأنها لمّا آذته في دينه أبطلت دمها! - وهذا كذب وافتراء، لأنه يخالف القرآن الذي جعل النفس بالنفس، ولم يفرّق بين أن يقتل المسلم مسلما، أو يقتل يهوديا، طالما لم يخرجه اليهودي من داره، ولم يقصد إلى قتله، ولم يمنعه من دينه، ولقد حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم لليهودي ضد طعمة بن أبيرق المسلم لمّا اتّهم اليهودي بسرقة لم يقم بها، وعفا عن لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر له ولم يؤذه، ولم يعرف عن ابن أم مكتوم إلا أنه من المتّقين، وبلغ من حرصه لما نزلت الآية: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أن بكى وقال: يا ربّ! ابتليتنى فكيف أمتنع؟ فنزلت: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (النساء 95) ، قال زيد بن ثابت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه الآية هكذا: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، ولمّا جاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها، فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت! فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان فخذه على فخذى، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذى، ثم سرى عنه، فأنزل الله: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ، وعن ابن عباس أن عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم، هما اللذان قالا للرسول صلى الله عليه وسلم: إنّا أعميان فهل لنا رخصة؟ فنزلت: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) فصار بها ابن أم مكتوم من القاعدين غير أولى الضرر، واستثنى أن يكون المجاهدون مفضّلين عليه، وكانت (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) من بركاته، ومخرجا لذوى الأعذار تبيح لهم ترك الجهاد، من العمى وغيره، كالعرج والمرض، فهذه أول مرة في الديانات السماوية التي يحفل فيها بالمعوقين، ويساوون بالمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم!! وفي هؤلاء المعوقين قال رسول الله أعظم إعلان في التاريخ قاطبة: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من سير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه» . قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم، حبسهم العذر - يعني المعوقين كالمجاهدين تماما لهم نفس الأجر، وفي مثل ذلك قال الشاعر يعتذر عن المعوقين ويوجز موقف الإسلام منهم حين العجز عن الحج كغيرهم من الأسوياء:

يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا

إنّا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر فقد راحا

ويروى أن ابن أم مكتوم لما نزلت آية تفضيل المجاهدين عن القاعدين بكى وصاح يدعو الله: أي ربّ! أنزل عذرى! أنزل عذرى أي ربّ! - فأنزل الله (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ، قيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت