فهرس الكتاب
الاختبار والامتحان، مأخوذ من فتنت الفضة، إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها. (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ... ) (195) : هذا المثل يقال خصوصا لمن يبخل عن الصدقة والنفقة على الضعفاء، وفي سبيل الله، وقيل: الهلاك الموعود هو اليأس من الله، فيكون معنى الآية: لا تيأسوا من رحمة الله. وقوله بأيديكم يضرب كمثل، تقول فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم، لأن المستسلم في القتال يلقى سلاحه بيده، فكذلك يفعل كل عاجز في أي فعل، ومنه قول القائل: إلقاؤنا ما بأيدينا عجز. والمعنى لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كقولك لا تفسد حالك برأيك؛ أو أن المعنى لا تحرموا أنفسكم من أموالكم في الدنيا فيرثها غيركم فتهلكوا بالحرمان؛ أو أن المعنى: لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا. والخلاصة أن الآية: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) عامة في جميع ما ذكر وفي غير ذلك، كأن يخاطر أحدهم بنفسه دون حذر فيقال له ذلك، لأنه يعرّض نفسه للتلف من غير فائدة.
(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) (197) : الآية فيها أن التقوى زاد الآخرة، وتذكّر بسفر الآخرة، والزاد بالنسبة للمسافر هو خير ما يتقى به الهلكة أو الحاجة أو التكفّف، والآية مثل يضرب على أن هذه الدار ليست بدار قرار، وأن الناس على سفر.
(رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (201) : الآية من جوامع الدعاء وتعم الدنيا والآخرة.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ) (204) : هذا مثل يقال في الرجل يكون حلو القول والمنظر، ثم يظهر من بعد أنه من أسوأ الناس خلقا، ولا دين له ولا ملّة، وأنه يبطن النفاق والكذب والإضرار، ويقول بلسانه خلاف ما يبطن. (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (216) : هذا المثل على جزءين، الأول: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) والثاني: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) ، وكلاهما مثل وحده، فالأول معناه: أن القتال قدّر على المسلمين أو على الناس عموما، وهو مكروه في الطبع، فلا أحد يرجو أن يدخل قتالا يحسب أنه فيه يموت أو يؤذى في جسمه. والمثل يضرب عموما للشيء اللازم فعله رغم كراهيته، كالعمليات الجراحية، فلا مندوحة منها ولا بد من إجرائها رغم أنها مكروهة، والجزء الثاني