فهرس الكتاب

الصفحة 1898 من 2524

«هذا» يقصد بها القرآن، وليس كل بيان هدى وموعظة، إلا القرآن ففيه شفاء للناس وهداية للرشاد، وموعظة وذكرى للمتّقين، خصّهم بالذكر لأنهم المنتفعون به دون سائر الناس؛ والعموم: أن كل قول فيه مثل هذه الصفات فهو بيان أثير.

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (139) : حكمة بالغة، ومثل يرجى كلما ادلهمت الأمور، وقاعدة للسلوك في الملمات؛ والوهن هو الضعف والخور والجبن؛ والحزن يكون عند الهزيمة، والاندحار والإحباط؛ والعلو الثقة في النفس وقوة الإيمان؛ والمؤمن يتميز بقوة الجهاز النفسي المناعى، وتماسك جبهته الداخلية، وقوله: «وأنتم» أي المؤمنون، والهزيمة إذا لحقت بالمؤمن فهي هزيمة النفس قبل الجسم؛ والأعلون أي في عافية دائما. والآية نزلت يوم أحد، وهي قاعدة كونية عامة، وفي كل موقف كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه واحد من الصحابة، كان الظفر للمسلمين، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تفتتح بلدة بعد انقراض الصحابة على الوجه الذي كانوا به يفتتحون البلاد في زمنهم. وفي الآية فضل الإسلام على أمة الإسلام، لأنه تعالى خاطب المسلمين بما خاطب به أنبياءه، فقال لموسى: (إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) (68) (طه) ، وقال لهذه الأمة: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) (آل عمران 139) ، والأعلون من اسمه تعالى العليّ.

(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) (140) : مثل يضرب تخفيفا على المجاهدين، والقرح هو الجرح، بالضم والفتح، فإن كانت الخسائر المادية في الحروب كثيرة، فإن المكاسب المعنوية أكثر، وكلما اشتدت الأزمات كلما قرب الفرج، وما يصيب المؤمنين هو ابتلاء من الله ليعلم الصابرين، وليتخذ منهم شهداء، وليمحّص الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) (140) : يضرب هذا المثل للحرب والشدائد، تكون مرة نصرا وفرجا للمؤمنين، ومرة تكون لهم خسارة وشدّة، وهذا هو معنى المداولة، وفي ذلك ابتلاء ليمحّص الله الذين آمنوا، فإن صبروا وجاهدوا ولم يعصوا فإنهم الغالبون، لأنهم حزب الله، والناس جميعا يتداولهم الفرح، والغمّ، والصحة، والسّقم، والغنى والفقر، والمداولة من الدولة هي الكرّة:

فيوم لنا ويوم علينا…ويوم نساء ويوم نسرّ

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (142) : المثل في صيغة الاستفهام على سبيل الإنكار، والمقصود أنه لا ثواب بلا ابتلاء وتمحيص،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت