فهرس الكتاب

الصفحة 1908 من 2524

أو لباس الحرب الذي يتّقى به العدو، والأصح أنه الخشية من الله، شبّهها باللباس يستر صاحبه، ويتّقى به غضبه تعالى؛ وقيل لباس التقوى هو استشعار تقواه تعالى فيما أمر به ونهى عنه. (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) (34) : القرآن مع القول بأن التاريخ دورات حياة، وأن الأمم في صعود وهبوط، ولكل أمة أجل، وأجل كل أمة مرة مع الصعود، ومرة مع الهبوط، والقاعدة في القرآن: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران 140) ، وكثير من علماء وجهابذة التاريخ قالوا بدورات الحياة للأمم، وبأن الأمم آجال، وأبرزهم توينبى (1889 - 1975 م) ، وتوينبى بالقطع قرأ هذه العبارة في القرآن واستوقفته، وخلص إليها كحقيقة ثابتة، وكان منهجه في استخلاصها هو المنهج الاستقرائي، وهو أحد مناهج التفكير التي يدعونا إليها القرآن كما قال: (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) (النمل 69) ، وكما قال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) (يوسف 109) ، وساق توينبى واحدا وعشرين مثلا على ما ذهب إليه، وعنده أن التاريخ يسير في دورات كبرى من الارتفاعات والانخفاضات، وأنه محصّلة الحضارات المختلفة التي تمر بنفس المراحل، من الميلاد إلى النمو، فالتفكك والأفول والسقوط. ومن رأيه أن الأمم عند ما تنسى الله فإنها تسقط من التاريخ، فإذا ذكرته ارتقت وقويت وسمت، وعنده أن الدين قوة روحية لنجاة الأمم من الانحلال. ونظرية القرآن أن للأمم آجالا، وأنها تتفاوت، وقد يطول أجلها إذا تمسكت بالإيمان، وفي القرآن أن نوحا ظل في قومه 950 سنة، وربما المعنى أن الديانة التي دعا إليها ظلت هذا العمر، وبمثل هذا الحساب الزمنى قد تتفاوت الأمم في الآجال، وحاول اليهود تحديد أجل أمة محمد بالحساب الأبجدى للحروف المقطّعة في بداية السور، فقالوا: إن (الم) بداية سورة البقرة، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، وهكذا تحسب كل الحروف المقطّعة فيكون مجموعها مدة ملك محمد وأجل أمته، وذلك أشبه بقراءة الطوالع، فاعتمادا على معرفة المدد يمكن استخراج أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فكأنهم حوّلوا الحقيقة الزمنية للحضارات والأمم إلى شيء يتكسّبون منه، فمن قال منهم ذلك فقد ادّعى ما ليس له، وطار في غير مطاره. ويبقى الصحيح من ذلك كله: وهو أن الأمم آجال كما جاء في القرآن: (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (34) (الأعراف) ، فالأمم تمرض وتشيخ وتموت كالأفراد، وفي القرآن من الأمم البائدة: أقوام نوح، ولوط، وصالح، وشعيب، وثمود وعاد، ومن الأمم التي لم تبد اليهود، لأنهم ما يزالون يتمسكون بالتوراة، وكذلك الأمة المسيحية، وأمة الهندوس، والأمة الصينية، والأمة اليابانية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت