كانوا نكرات، وبلغ عدد كبار المتآمرين أربعة عشر، وتداولوا فيما بينهم، وأشار عليهم أبو جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى، شابا، جليدا، نسيبا، وسيطا، ويعطون كلا منهم سيفا صارما؛ فيعمدون إليه فيضربونه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فيستريحون منه، فإن فعلوا ذلك تفرّق دمه بين القبائل جميعا فلم يقدر أهله بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا. واجتمع من اختاروهم على بابه يقودهم أبو جهل، وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده حفنة من تراب، فجعل ينثرها في وجوههم ويتلو: (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) (9) (يس) ، فلم يبق منهم من لم يصبه التراب، وانسلّ هو من بينهم إلى حيث أراد، وتطلّعوا حولهم وقد شاهت وجوههم وكساها التراب، وتسلقوا الجدار يفتشون عنه بعيونهم، فرأوا على بن أبي طالب ينام مكانه، ويتسجّى ببرده. ونزل القرآن في هذه المؤامرة التي أفشلها الله تعالى قال: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (30) (الأنفال) ، وقال (أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ(30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) (31) (الطور) . والبرد عباءة ويلتحف بها، وتسجّى تغطّى؛ وتربّص انتظر؛ والمنون الموت؛ وريب المنون ما يريب ويعرض منها.* وكانت المحاولة الثانية أثناء خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة، يصحبه أبو بكر ومولاه عامر بن فهيرة، وكان المتربصون به قد جعلوا مائة ناقة جائزة لمن يردّه عليهم، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم على فرسه وراء ركب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد لبس لأمته، واشتد في أثرهم، واستقسم بقداحه يقرأ طالعه، فخرج السهم «لا يضرّه» ، وعثر به فرسه وأسقطه عنه، وعاد إليه يشتد في أثرهم، واستقسم قداحه مرة ثانية فخرج السهم في هذه المرة أيضا «لا يضره» ، وعثر الفرس من جديد وسقط سراقة، ثم عاد إلى الركوب، واستقسم قداحه فخرج السهم للمرة الثالثة «لا يضره» ، واشتد مع ذلك في أثرهم، فعثر الفرس، وسقط سراقة عنه، وتعجّب، ولكنه أصر السعى خلف الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى أن تراءى له ركبهم، فعثر به فرسه وغاصت رجلاه في الرمال، وسقط هو على الأرض، وقام يستنهض الفرس، ونظر فرأى دخانا كالإعصار قد حال بينه والركب، فنادى بأعلى صوته: أنه سراقة بن جعشم، لا يريبهم ولا يأتيهم منه شيء يكرهونه، وأنه يريد أن ينظروه ليكلّمهم، وطلب أن يكتب له الرسول صلى الله عليه وسلم كتابا يكون آية بينهم وبينه، وكتب له الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب على عظم أو في رقعة، أو خرقة، وألقاه إليه، فجعله سراقة في كنانته ثم رجع. فلما كان فتح مكة، ثم حنين والطائف، خرج إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يلقاه في الجعرانة، وأسلم سراقة وحسن إسلامه.