فكانوا يتناجون دون المؤمنين. وقيل: هذا نزل في السفر حيث لا يأمن الرجل صاحبه، وفيه مظنة الاغتيال وعدم المغيث. والصحيح أن التناجى كان في أول الإسلام، وإنما لا موجب للخوف من النجوى الآن وقد صار المسلمون كثرة، إلا إذا كان ذلك في بلاد المسلمون فيها أقلية.
8 -وفي قوله تعالى: ( ... إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (11) : قيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا في صلاة الجمعة، والمكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبيّ صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من غير أهل بدر: «قم يا فلان، وأنت يا فلان» بعدد القائمين من أهل بدر. فشقّ ذلك على من قاموا، وعرف النبيّ صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجهوهم، وغمز المنافقون وقالوا: ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيّهم فسبقوا إلى المكان؟! فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إن ثابت بن قيس دخل المسجد وأراد الجلوس ولم يكن ثمة مكان، فطلب من أحدهم أن يتفسّح له فأبى، ونزلت الآية في هذا الذي أبى أن يتفسّح. وقيل: كان المسلمون يتنافسون في مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيأمرون أن يفسح بعضهم لبعض فنزلت الآية. وقيل: الصحيح أن الآية عامة في كل مجلس يجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، فنزلت لذلك.
9 -وفي قوله تعالى: (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ... ) (11) : قيل: هذا في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لينصرفوا، لأن له حوائج يقضيها، فلا أقل من أن يتركوه في بيته ليلبى حوائج نفسه وأهله.
10 -وفي قوله تعالى: ( ... يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (11) : قيل: كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم الفقراء، فيستبقون إلى مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية فيهم. وقيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجلا من الأغنياء يقبض ثوبه نفورا من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه، فقال له: «يا فلان، خشيت أن يتعدّى غناك إليه أو فقره إليك» ، فنزلت الآية تبين أن الرّفعة عند الله بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور المجالس. والعموم في أسباب النزول أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية، فالمؤمن يرفع بإيمانه أولا، ثم بعلمه ثانيا.