فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 2524

فى واقع الأمر، زوجة وأم، والزوجة الأم هي مطلب أمثال النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين يحرمون من أمهاتهم في سن التكوين، أي بين الرابعة والثامنة من العمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم توفيت أمه وهو في السادسة، وتوفى أبوه وأمه حامل فيه، أو وهو ابن شهرين، وقيل ابن ثمان وعشرين شهرا، أي في السن التي يفتقد الطفل فيها أمه، بشدة أكثر من افتقاده لأبيه، ويظل به المنزع أن يتعامل مع كل امرأة كبيرة تبدى العطف عليه كأنها أمه. ومن ذلك أن الدكتور القوصى عالم التربية النفسي الكبير، يقصّ عن نفسه أنه كان لا يدري كلما دعى إلى اجتماع وكانت فيه سيدات، يختار أن يجلس إلى جوار أكبرهن سنا، التي تظهر احتشاما في لبسها، وتؤثر اللون الأسود في ثيابها، وتبين له مع استمرار تحليله لمواقفه، أنه يفعل ذلك لأنه في أعماق نفسه يرفض الإقرار بأن أمه قد ماتت، وكانت كبيرة السن، ومحتشمة، وتؤثر السواد في لباسها، وكان موتها في صغره، فافتقدها، وكأنه بجلوسه إلى جوار السيدات كبيرات السن، المحتشمات، المتّشحات بالسواد، يطمئن نفسه بأن أمه - وإن كانت قد توفيت في الواقع - فإنها في الحقيقة تعيش في وجدانه، وفي ذهنه، ولا تفارقه صورتها. وعلماء النفس يطلقون على ذلك اسم الحضور النفسي، وشبيه به برهان يوسف الذي رآه لما همّ بامرأة فرعون وهمت به، وبرهانه هو صورة أبيه يعقوب عليه السلام، وكان يأخذه بالتربية المثلى، ويتعهده بالتعليم الحيّ. وكانت خديجة بمثابة الأم الرءوم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وبها تعود أمه إلى الحياة - متمثلة في هذه السيدة الفاضلة، ولما تزوّجها وقصّ عليها قصته مع الوحي، ورأته وقد ارتج عليه من الخوف، وارتعدت فرائصه، سارعت إليه وأدخلته بينها وبين درعها، وأجلسته على فخذها، وهدأت من روعه فقالت: الله يرعانا يا أبا القاسم! أبشر يا بن عم واثبت، فالذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة، والله لا يخزيك الله أبدا! إنك تصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق». وكانت أول من آمن به، وبيتها أول بيت في الإسلام، وجزاء ذلك بشّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة، فعوّضها الله به عن بيتها، على غرار الحديث: «من كسا مسلما على عرى كساه الله من حلل الجنة، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله على الرحيق» ، ويذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موتها ويردّ غيبتها فيقول: «والله ما أبدلنى الله خيرا منها! آمنت بي حين كذّبنى الناس، وآنستنى بمالها حين حرمنى الناس، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها» . وتروى السيدة عائشة في ذلك أنها لما اغتابت خديجة، وسمعته يزجرها بهذه الحدّة، أمسكت وهي تقول في نفسها: «والله لا أذكرها بعد ذلك أبدا» . وقال لها يومها: «إنها كانت وكانت، وكان لي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت