منها الولد»، وقال: «إني قد رزقت حبّها» وقال: «إني أحب حبيبها» أي كل من يمت لها بصلة أو بقربى. وتقول عائشة: ما غرت من امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ما غرت من خديجة، لما كنت أسمع من ذكره لها. وما تزوجنى إلا بعد موتها بثلاث سنين». وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» . والكمال - في الطب النفسي - من المباحث الشريفة، وهو مقصد ما يسمى علم النفس التكاملى، وفيه أن من صفات الكامل أنه: معطاء، كريم، سخيّ، يجود بما معه ولا ينتظر الردّ، ولا يأخذ العوض، وأنه مسامح، غفور، رحيم، عطوف، شفوق، ليس فيه التجبّر ولا الاستبداد، يستمع إلى الرأي الآخر، ويأخذ به في حالة الصواب، ويثبت عليه ويمتدحه، ويسعى إلى الحق، ويستهدف العدل، ويدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يفحش، ولا يسبّ، ولا يغضب، ويحب الناس، وليس للبغض سبيل إلى قلبه. وخديجة كانت كذلك، ولم يعرف لها المصطفى صلى الله عليه وسلم نقيصة، فوصفها بالكمال، وقضى معها زهرة شبابه، فلم يشك منها، ولم يتأفف، ولم يطلب الزواج عليها حتى بلغ من العمر عتيا؛ وما كانت خديجة إلا وزير صدق له، تشير عليه، وتصدقه، وتخفف عنه، وتهوّن عليه، مثلما تفعل الأمهات، وليس ذلك من دأب الزوجات وإنما هو دأب الأمهات. ولم يثبت أن لخديجة ثروة طائلة كما قيل، تبريرا لهذا الزواج بالماديات، وإلّا فأين ذهبت هذه الثروة حين هاجر؟ ولم يحدث أن طالب بها حينما عاد إلى مكة فاتحا، ولم يشهد شاهد، ولا روى راو، أنه باع من أملاك خديجة في مكة شيئا، ولم ترث بناته عنها شيئا، اللهم إلا حلية ذكّرت زينب أباها بها عند ما أرادت أن تفتدى زوجها ابن العاص! وفي رواية لعائشة قالت يوما لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن خديجة: ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين هلكت في الدهر؟ وقولها حمراء الشدقين، يعني أنها قد خلعت أسنانها ولم يبق في فيها إلا اللثة بلونها الأحمر، وقولها هلكت في الدهر يعني أنها كانت مسنّة، وأن سنها كان باديا عليها. وعائشة لم ترها رأى العين ولكنها سمعت عنها، وروت ما سمعته. وإذن تسقط دعوى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مطلبه النساء، أو أن يرتزق من ثروتهن، ويبقى أنه كان ينشد طيب الصحبة، وكريم العشرة، وحسن الأحدوثة، وأن يرضى من حوله، حلا لكثير من المشاكل كما سنرى.
ولما ماتت خديجة تزوج بسودة بنت زمعة، وكان قد سبق لها الزواج كخديجة، وإنما خديجة تزوجت مرتين قبل أن يتزوجها المصطفى، وسودة تزوجت مرة واحدة، وكانت