فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 2524

وبعض هذه الإسرائيليات يتوافق مع الشريعة ولكنه مع ذلك منحول وليس من التوراة في شيء، وبعضها مخالف للشريعة كالحديث عن الزانى والزانية، وما قال به عبد الله بن سلام، وتأكيده على آية الرجم، مما ترتب عليه أن وضعت أحاديث في الرجم، والرجم يخلو منه القرآن، وليس من الإسلام في شيء. وما كان من المعقول أن يرد عن جلد الزانى والزانية في القرآن ولا يرد الرجم، فالأولى والأهم أن يأتي عن الرجم لا عن الجلد!

وبعض هذه الإسرائيليات فيه تنطّع ولا فائدة منه إطلاقا، كالقول في أسماء أهل الكهف، وعددهم، واسم كلبهم، أو القول في اسم الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، والادّعاء بأن الله عاقبه، بأن أدخل بعوضة في منخرة ثم خياشيمه ودماغه، فصارت ترف بأجنحتها فيه فيتعذّب أشد العذاب!

وإنما نحن في زماننا هذا ومنذ ابن حزم وغيره، لدينا ما يسمى «علم المقارنة بين الأديان» ، فنعرض النصوص عندنا وعندهم لنرى أيهما الأفضل أو الأولى بالاتّباع وما تحصّل من تطور في الفكر والتطبيق. وليس ذلك ضمن ما اصطلحوا عليه باسم الإسرائيليات التي هي مستدخلات في الإسلام، عن طريق يهود أو نصارى أو زنادقة أو رواه مدلّسين، أسلموا أو لم يسلموا، وأذاعها عنهم مسلمون، كما كان الصوفية يفعلون، وهؤلاء نشروا عن أنبياء اليهود والنصارى وأحبارهما حكايات، يمكن الموافقة عليها والقبول بها، لو كانت ضمن باب الحكم والأمثال، والتربية الأخلاقية، أو غير ذلك من الموضوعات، مما يوسّع الأفق ويزيد المعارف؛ أما إن كانت تفسيرا للقرآن، أو أن تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المرفوض، فلم تكن الإسرائيليات مرجعيات دينية ولا تاريخية ولا علمية، ولكنها مدلّسات وخرافات، بعضها كتب اليهود، وبعضها لا أصل له سوى شروح اليهود على كتبهم ثم استدخلت في الإسلام. ومما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، أحاديث أو خرافات الدجّال الأعور، ورجوع المسيح، والمعركة الوهمية التي سيقودها، وحكومته العادلة، وألفيّته الموعودة، فذلك تراث يهودي ونصراني محض وليست له أصول إسلامية من العقيدة، ولم يتنزّل به القرآن، ولو كان صحيحا لكان الأولى أن يتنزّل به بدلا من كثير من القصص الأقل أهمية في القرآن.

وساعد على نشر الإسرائيليات أن المجتمع العربي أو الإسلامي كان قريب العهد بالإسلام، والأقرب إلى ذهنه أن يتقبّل ما يروى له مما يعرف من سالف عقائده باعتباره من عقائد الإسلام. وقد كانت العرب أمّة أميّة، ولم تؤخذ بالتربية الناقدة التي تتعلم منها أن تمايز بين الأشياء، وتمحّص الوقائع، وتختبر الكلام، وتنحّى الزائف المنتحل منه، فذلك ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت