فهرس الكتاب

الصفحة 615 من 2524

وقال: في التوراة: يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين، أنت عبدى ورسولى، سمّيتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وأذانا صما، وقلوبا غلفا». وكلامه جانبه الصواب، لأنه ليس في التوراة التي هي كتب موسى الخمسة مثل هذا الكلام ألبتة، غير أنه قد ورد كلام يقرب في المعنى من ذلك في سفر أشعياء، الفصل الثاني والأربعين، ونصّه: هو ذا عبدى الذي أعضده، مختارى الذي سرّت به نفسي، قد جعلت روحى عليه، فهو يبدى الحكم للأمم، لا يصيح ولا يجلّب، ولا يسمع صوته في الشوارع، قصبة مرضوضة لا ينكسر، وكتّانا مدخّنا لا يطفئ، يبرز الحكم بحسب الحق؛ لا ينى ولا ينكسر، إلى أن يجعل الحكم في الأرض، فلشريعته تنتظر الأمم. هكذا قال الربّ» (1/ 5) ، فإن كان ابن عمرو يشير إلى هذه العبارات فقد تجاوز في النقل عنها، وقد أخطأ إذ يذكر أنها من التوراة. وأشعياء ليس سوى متنبئ، ونبوءته يفسّرها النصارى بأنها عن المسيح! وفسّرها ابن عمرو أنها عن محمد صلى الله عليه وسلم! تفسيرا لما جاء في القرآن، وهذا خطأ لأن حديث القرآن عمّا يرد عن مجئ النبيّ صلى الله عليه وسلم في التوراة وليس في نبوءة لأشعيا! ولقد جاء نحو حديث ابن عمرو عن كعب الأحبار، وعن عبد الله بن سلام، وهما يهوديان قبل إسلامهما، وثقافتهما إسرائيلية، وتنسب إليهما الكثير من الإسرائيليات، وكان كعب يرعى ابن عمرو، وكان يقرّظه كلما يسمعه يرجع إلى التوراة فيما يقول، فكلما تكلم بفتوى أثنى عليه وقال: أنت أفقه العرب! إنها لمكتوبة في التوراة كما قلت»! وقد نسب إلى ابن عمرو أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، ما يقوم إلا على عظم صلاة»!! والثابت غير ذلك تماما، وحديث «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ، لا يعني جواز الدعوة إلى اليهودية! ناهيك عن أن الحديث أوله لا علاقة له بآخره، ثم إنه يناقض الحديث الآخر: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلا لم تصدّقوه، وإن كان حقا لم تكذّبوه» ، ولا تعنى الآية: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ) (94) (يونس) أن التوراة تهيمن على القرآن وأنها الأصل، وإلا ما ذكر الله تعالى أنها حرّفت، وإنما تفسير هذه الآية يكون بالذي قبلها، والذي قبلها كان عن قصة موسى مع فرعون وما وافق ذلك من أحداث، وما ذكرت التوراة من القصة متوافق مع ما ذكره القرآن، وإن زاد القرآن هذه الأحداث تفصيلا، ولو سئل أهل الكتاب عمّا جاء منها في القرآن لأمنّوا عليه وما خالفوه، فذلك معنى الأمر: (فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ) (يونس 94) : غير أن ابن عمرو لم يكن يفسّر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت