فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 2524

والمتّبع في هذه التوراة التي بين أيدينا، أن مؤلفها فيما يزعمه منسوبا إلى الله، يذكره مسبوقا ب «قال الله» ، وما يزعمه منسوبا إلى موسى يذكره مسبوقا ب «قال موسى» ، فعبّر عن الله وعن موسى بصيغة الغائب، ولو كانت التوراة من تصنيف موسى لكان عبّر عن نفسه بصيغة المتكلم، والذي يشهد عليه الظاهر أن هذه التوراة لا هي من وحي الله ولا بإلهامه، ولا هي من تصنيف موسى، وإنما من وضع الوضّاعين، ودليلنا ما فيها من تعارض وتخالف، وما حوته من أقوال عن الله لا تصدر عن الله، وما نسب منها إلى موسى ولا يمكن أن يصدر عن موسى، لما في ذلك من معارف ومعلومات وأسماء وأماكن لم يعلمها موسى، وما كانت قد حدثت في زمنه بعد! وعلى عكس ذلك القرآن فالمعارف والمعلومات والقضايا والمسائل والأسماء والأماكن فيه، كلها تناسب وقتها، ولا تعارض أبدا ما سيكشف عنها فيما يلحق من الأزمان. وما ينسب إلى الله في القرآن، هو أليق وأنسب إليه تعالى وليس محل نقد. وما ينسب من نقد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ما كان يمكن أن يتنزّل ويعلن على المسلمين في نفس الوقت ليبقى على مرّ العصور ويتلى بينهم، لو كان النبيّ صلى الله عليه وسلم هو واضع القرآن. والقصص في القرآن منه الكثير في التوراة، وما في التوراة فيه كلام يسيئ إلى الأنبياء ويظهرهم كعامة الناس وأنهم ضد الفضائل، وليس في القصص في التوراة أية مواعظ أو دروس في الأخلاق، والأمر بخلاف ذلك تماما في القرآن، فالقصص القرآني مقاصده عالية وراقية وسامية، ولم يأت اعتباطا وإنما لأن له إحالات إلى الواقع في حياة المسلمين أيام الرسول صلى الله عليه وسلم. والقصص والأحكام في التوراة، من الواضح أن مؤلفها لا يمكن أن يكون قبل زمن داود، ولا بعد زمن حزقيال، وأنها كتبت في كنعان أو أورشليم، وليس في الصحراء بتصنيف موسى. ومن المعوّل عليه في التأليف أيا كان، أن المؤلف لو كان يكتب عن حالات، وعن مواقف وأحوال تخصّه، أو عاينها بنفسه، فإنه يكتبها بحيث يظهر أنه هو نفسه الكاتب وليس غيره. وموسى في هذه التوراة التي بين أيدينا يظهر بجلاء أنه ليس كاتبها، وإنما آخرين يكتبون عنه، ولو كانت عبارة واحدة قد صدرت عن موسى بصيغة المتكلم لكانت للتوراة اعتبارات أخرى، وإنما كل ما جاء بها عن موسى تسبقه هذه العبارة: قال موسى. ويزعم علماء اليهود أن الذي كتب ذلك عن موسى هو نبيّ مثله يروى عنه، وأنه يلحق بكلام موسى كلاما من عنده، أي من عند هذا النبيّ، وذلك ادعاء لا يسنده برهان، لأنه ما كتب نبيّ أنه ألحق هذه الفقرة أو تلك بالباب الفلانى، ولا كتب أن غيره كتب ذلك، ولم يثبت ذلك بالدليل. وأسلوب الكلام في التوراة وفي غيرها من الكتب واحد، ولا فرق بينها في ذلك، وكان الأحرى أن يكون هناك فرق في الأسلوب بحسب الفرق في الزمن، وقد يبلغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت