فهرس الكتاب

الصفحة 737 من 2524

يظن أحد أن سفر القضاة كتبه القضاة أنفسهم، وإنما الظن أن كاتبه شخص واحد، وأنه كتبه بعد زمن القضاة، لأنه في نهاية الفصل الحادى والعشرين منه قال: في تلك الأيام لم يكن لبني إسرائيل ملك، وكان كل إنسان منهم يعمل ما حسن في عينيه»، ومثل هذا الكلام لا يمكن أن يكون قد كتب إلا بعد عهد الملوك وليس قبل ذلك! وكذلك لم يكتب الملوك أسفار الملوك الأربعة، وكاتبها جمع هذه القصص مما كان يروى من أخبار عن سليمان وملوك يهوذا وإسرائيل! وهذه الأسفار لا يمكن أن يقال عنها أنها دينية، والحديث فيها ممل وجاف. ومن رأى سبينوزا: أن عزرا ربما هو الذي صاغها هذه الصياغة فجاءت دون ترتيب ولا تحقيق، بدليل أن الروايات نفسها تتكرر في الأسفار بألفاظ مختلفة، وتضطرب أزمنتها وتتداخل، ويردّ سبينوزا ذلك إلى جبلّة في اليهود: أنهم يعجزون عن السرد الروائي المنظّم، وأن الزمان عندهم لا قيمة له، فالماضى كالحاضر، كالمستقبل، والجميع سواء، والسرد الروائي لذلك لا يعرف الترتيب ولا التتابع الزمنى، ويجهلون البناء المنطقى للأحداث، وأن يكون لها نسق. وكتّاب التوراة لم يعرف لهم منهج ولا قاعدة في السرد والرواية، وليس لليهود كأمة أو كشعب «ذات جماعية» واحدة، فكل راو يفسّر الأحداث على هواه، وينتقى منها ما يشاء، ولذلك فإن من يتصدّى بالتفسير لهذه التوراة سيجد الكثير مما يمكن أن يتشكك فيه، وسيتبين أن الكلام في الكثير من الفقرات أبتر، وأن هناك الكثير من العبارات قد أسقطت، وأن التعاليم الأخلاقية تصادم بشدة بالأفعال التاريخية التي يقوم بها الملوك، وأن موسى ويشوع استخدما السيف وأشبعا الشعوب قتلا، وأزهقوا أرواح الأطفال والنساء، ولم يعفوا أحدا من الذبح، فكيف يمكن أن يقال عن هؤلاء أنهم دعاة إلى الله، وأن لهم شريعة، وأنهم أولى بحكم العالم؟ وأن التوراة حافلة بالأسرار والحكم،؟ وهو ما يدّعيه القباليون أو الأصوليون أو السلفيون من اليهود، وما يزعمه المتعصبون المتطرفون في الوطنية؟ ويتطرق سبينوزا إلى كل سفر من الأسفار، ويثبت التدليس والتحريف فيه، ويعجب من إدخال سفريّ أخبار الأيام ضمن الكتاب المقدس، فالنص فيهما غير متسلسل، وفيهما تعميم وابتسار، ثم إن كاتبهما منحاز إلى ملوك يهوذا دون ملوك إسرائيل. والمعتقد أن سفر نحميا وسفر عزرا يماثلان في التأليف سفريّ أخبار الأيام، والأرجح أن الأسفار الأربعة لمؤلّف روائي واحد، وأنه اتّبع في تأليفه لأخبار الأيام ما وجده في أسفار الملوك وأضاف تفاصيل أخرى وزيادات.

واستبعد سبينوزا من الكتاب المقدس الأسفار المنتحلة، وهذه الأسفار في ظنه لم يكتبها عزرا وإنما ألّفها الفريسيون تأليفا، فاستبعدوا ما شاءوا، وأثبتوا ما شاءوا، واستنكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت