فهرس الكتاب

الصفحة 828 من 2524

وأصحاب النار، ولكل سماته، فهؤلاء مبتهجون فرحون، وهؤلاء مكتئبون مغمومون، فإذا وقعت أعينهم على أهل الجنة حيّوهم يرجون أن يكونوا مثلهم، وإذا صادفت أعينهم أهل النار تعوّذوا أن يكونوا مثلهم، وعابوا عليهم أنهم كانوا يستكبرون في الدنيا، ويسخرون من المستضعفين، فها هم المستضعفون صاروا إلى الجنة، وعندئذ يؤذّن أصحاب الأعراف: لعنة الله على الظالمين. ومشهد أصحاب الأعراف من مشاهد يوم القيامة، والحوار الذي يدور بينهم وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار يبيّن ما يكون فيه أهل الحق - أي أصحاب الجنة، من الشماتة بالمبطلين أصحاب النار. وسورة الأعراف من السور التي تهتم بالصراع بين قوى الخير والنور، وبين قوى الشر والظلام، وفيها قصة آدم مع إبليس، وخروجه من الجنة، وهبوطه إلى الأرض كنموذج لهذا الصراع، والله تعالى ينتصر لقوى الخير في الوجود، وقد انتصر لآدم وذريته، وهو قد خلق آدم من طين، وصوّره، ونفخ فيه من روحه، وعلّمه، وأمر الملائكة أن تسجد له، فانصاعوا إلا إبليس، أبى واستكبر، فكان أول من استكبر في الوجود، وعصى الله فكان أول من عصاه، وحاجّه فكان أول من حاجّه، وحسد آدم وغار منه، فكان أول من حسد وأول من غار، فكل الصفات السلبية كانت فيه، وادّعى أنه فعل ما فعل لأنه من نار وآدم من طين: (قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (12) ، فكان أول من قاس في الوجود، وأول من أخطأ في القياس، فالنار ليست الأشرف لأنها جوهر مضئ، ولأنها مخزن الطاقة، ولأنها الأخف وزنا، والأكثر ارتفاعا وعلوا والأحدّ طبعا، ولأنها مصدر خوف ووسيلة عذاب، ومنافعها لا تنتهي، بينما الطين محل قذارة وعطالة، ومصدر أوبئة، كما ادّعى إبليس، ومن أجل ذلك رأى أن أصله أفضل من أصل آدم! والحق أن الطين أفضل، لأنه سهل التشكيل، ومطواع، وأداة في الفنون، ولا زراعة ولا قوت إلا به، ولا حيوانات بدون زراعة نباتات. والطين من التراب والماء، والتراب طهور ومسجد، وفي التراب مثوى الإنسان، والماء لازم للحياة لزوم الهواء. وفي الطين سكون وهدوء ووقار وسكينة، ومن التراب كانت أرض الجنة، وترابها من الطيب والمسك الأذفر - أي الأطيب رائحة. ولذا كان خلق آدم من الطين خير وبركة. ومعنى أنه من الطين أنه ينتسب إلى الأرض، فالأرض مأواه ومأوى ذريته، بينما خلق إبليس من النار، والنار مأواه. والإنسان ليس كله من طين، وإنما جزء منه من نار هي الطاقة التي يتحرك بها وينفعل ويعمل ويشتهى، وهي أصل الشهوات في الإنسان. وإنها لنعمة كبرى أن يرجع أصل الإنسان إلى أب واحد هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت