فهرس الكتاب

الصفحة 830 من 2524

آدم، وأن تكون قصة الخلق مدارها آدم، ولم يكن عجيبا أن يطلب لذلك من الملائكة أن تسجد له. وفي السورة أربعة نداءات متتالية لبني آدم، بيّن الله لنا فيها نتائج غواية الشيطان لآدم وزوجته، فبعد أن طعما من الشجرة المحرّمة، بانت عورتاهما، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم منّ الله على ذريتهما بلباس خير من ورق الشجر، من الريش والشعر، ثم هداهم إلى لباس التقوى، ثم إنه تعالى حذّر بني آدم: لا يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما، وإن الشيطان ليرى بني آدم هو وقبيله، وهم عراة من حيث لا يرونهم، ويدعونهم لذلك إلى الفحشاء. ثم إن الله هدى بني آدم إلى الإيمان، فصاروا يعبدونه في المساجد، فأمرهم أن يزيّنوا كلما قصدوا المساجد، تأكيدا لبهجة الإيمان عندهم، وانتصارا لعنصر الخير فيهم على وسوسة الشيطان، والتزيين أفضل للمساجد من التزيّن للفحشاء. ومثلما أردى الطعام وشهوة طلبه أبويهم، فإنه تعالى أمر بني آدم أن يأكلوا ويشربوا ولا يسرفوا، ونبّه عليهم أنه تعالى سيرسل إليهم الرسل من بينهم، ليبيّنوا لهم الأحكام والشرائع، فمن اتّقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا يحزنون. فهذه هي النداءات الأربعة التي خوطب فيها بني آدم باعتبارهم ورثة أبيهم آدم، وهي نداءات خاصة بسورة الأعراف لم تتكرر في سورة أخرى. وسورة الأعراف تتوافق مع السور المكية، وتبدأ البداية المعهودة، فتذكّر بالقرآن، وبأنه معجزة النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنزل عليه من الله تعالى، وتفتتح السورة لذلك بالحروف المقطّعة (المص) (1) (الأعراف) (ألف لام ميم صاد) . وهي حروف من الأبجدية تأتي في افتتاحيات بعض السور، تذكيرا بأن القرآن العظيم هو من هذه الحروف البسيطة التي يعرفها الجميع، ورغم ذلك لم يستطع أيّ من الذين أنكروا القرآن أن يأتوا بمثله، ولقد ضاق الرسول صلى الله عليه وسلم بإصرارهم على الإنكار، وفي سورة الأعراف يرفع الله تعالى الحرج عن نبيّه صلى الله عليه وسلم، فليس عليه أن يؤمن المنذرون أو لا يأمنوا، وكل ما عليه هو البلاغ، ويوم القيامة يكون الحساب. وما كان تكذيب المكذّبين إلا لأن من طبع أغلب الناس أن لا يشكروا لله نعمه، والكثير من اللوم يقع على الشيطان الذي أقسم أن يقعد لبني آدم صراط الله المستقيم، ويأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، يوسوس لهم بالشرّ والمنكر، فكان عن حقّ الوسواس الخنّاس، وكان عدو الإنسان وحزنه، والله قد حرّم ما يوسوس به من الفواحش، ما ظهر منا وما بطن، ومن الإثم والبغى بغير الحق، وأن يشرك به، وأن يقال عنه ما لم يعلم عنه، وما أظلم أن يفترى على الله الكذب، أو يكذّب بقرآنه، وهو الكتاب المفصّل على علم، هدى ورحمة للمؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت