فهرس الكتاب

الصفحة 863 من 2524

خلقه على التأنّي في الأمور. وقبل السماوات والأرض كان الماء، فهو الأسبق في الخلق. ومع البعث يكون الحساب والعقاب والثواب. وقد يستعجلون العقاب ويتساءلون: وما ذا يؤخّره إلى أمة معدودة؟ والأمة هي الجماعة، عبّر بها عن السنين والمدة، لأن الأمة تكون فيها والأمم لها آجال، ولكل أمة عمر ومدة، وحين وزمان، والتاريخ ليس سنوات تنقضى ولكنه أحداث تعرف بها السنين، والعذاب مؤجل إلى الآخرة، والآخرة موعده المحتوم. فلعل الرسول صلى الله عليه وسلم لعظم ما يراه من الكفر والتكذيب، يتوهم أنهم يزيلونه عن بعض ما هو فيه، فيضيق به صدره، وقد كانوا يطلبون منه لو ينزل إليه كنز، أو يصحبه ملك، وما هو إلا نذير يتنزّل عليه القرآن بعلم من الله وبوحيه. والقرآن في مجمله كتاب يشرح الإسلام، ويثبت أنه «لا إله إلا الله، وأن محمدا رسوله إلى الناس» ، ويشهد القرآن على رسالته، والقرآن بدوره تشهد التوراة قبل تحريفها وتزويرها على صدقه، والتوراة سابقة في النزول على القرآن، وكان نزولها رحمة على المؤمنين بها، وكذلك القرآن، صار الكتاب الإمام في الدعوة إلى الله، وكان رحمة لمن يؤمن به، ومن يكفر به من الأحزاب - أي سائر الملل، فالنار موعده، ولا محل شك في القرآن، وهو الحقّ من الله.

وتقسم السورة الناس إزاء الدعوة إلى فريقين: فالكافرون: هم الذين كفروا بربّهم، وصدّوا عن سبيله، وعدلوا بالناس عن الحق إلى المعاصي والشرك، وجحدوا الآخرة، فخسروا أنفسهم، وضلّ عنهم ما كانوا يفترون؛ والمؤمنون: هم الذين أخبتوا إلى ربّهم - أي خشعوا له وخضعوا، وعملوا الصالحات.

والفريقان - الكافر والمؤمن - كمثل رجلين، أحدهما أعمى وأصم، والآخر سميع وبصير، هل يستويان مثلا؟ والكافرون يوم الآخرة هم فريق الأشقياء، وهم في النار، والمؤمنون هم فريق السعداء، ومكانهم الجنة خالدين فيها. وتقص سورة هود القصص عن بعض الأنبياء، ممن عانوا في الدعوة، وعن بعض الأقوام جميعهم كانوا مثلا في الجحود والإنكار. وقصصهم من الواقع، وآثارهم تدل عليهم، وبعضها ما يزال قائما، وبعضها أصابه البلى والتلف الشديد، ولكنه ما يزال هناك، كجذور الزرع بعد حصده، ما تزال تعلق بها التربة. وتمتلئ هذه القصص بتفاصيل لا يوجد مثلها في كتب الأقدمين، بل إن أنبياء كشعيب وصالح وهود لا وجود لهم ألبتة، لا في كتب اليهود، ولا في كتب النصارى، حتى أن المستشرقين ليعجبون: ما ذا كانت مصادر محمد التي استعان بها وعرف منها قصصهم؟ وما كان محمد مؤلف قصص ولا قصّاصا، ولكن كان رسولا نبيا يوحى إليه من ربّ العالمين. وفائدة القصّ القرآني كما قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت