فهرس الكتاب

الصفحة 865 من 2524

تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) (121) ، يعني أن هذه القصص لتعين النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الصبر على ما ينالهم من الأذى بسبب إيمانهم بالله، وما أكثر ما يحتاج المسلمون إلى هذه القصص الآن في هذا الزمن الذي اضطهدوا فيه أبشع اضطهاد حتى في بلاد الإسلام، ليزدادوا تثبيتا ويقينا، وتشدّ بها قلوبهم، ويصبّرون حتى لا يلحقهم الجزع. وقوله: «وجاءك في هذه الحق» أي في سورة هود جاءك القصص الحق، أن فيها أخبار الأنبياء والجنّة والنار، وخصّها الله تعالى بالذكر وإن كان الحق في كل القرآن، وفيها عظة وذكرى للمؤمنين، وهذا تشريف لهذه السورة، لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى، ولم تخصّص أيا منها كما خصصت سورة هود. وقصة نوح في السورة هي أولى القصص، ونوح هو الأب الثاني للبشرية، وكان أطول الأنبياء عمرا، وأكثرهم بلاء وصبرا، وأول من قيل له كيف تكون نبيا وأنت لست سوى بشر؟ وما نرى إلا أن الأراذل اتّبعوك!؟ والأراذل: هم الفقراء من الطبقات الكادحة، فعابوه وعابوهم. من حيث لا عيب فيه ولا فيهم، لأن الأنبياء عملهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير صور الناس وهيئاتهم، ويرسلون إلى الناس جميعا، إلا أن فقراء الناس هم الأسرع إلى الإيمان، وهؤلاء الفقراء لشدة بؤسهم هم أول المتّبعين للرسل، وهم جمهور المؤمنين بهم وسوادهم، لأن الكبراء تستولى عليهم دائما الرئاسة، ويصعب عليهم الانفكاك عنها، وفيهم أنفة من الانقياد للغير، وأما الفقراء فهم خليّون عن تلك الموانع، ويسارعون إلى الإجابة والانقياد، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا، فإذا أسلموا لا يلحق الأنبياء منهم نقصان، لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من يظهر الإسلام. واشتهر نوح بالطوفان، وبأنه صانع الفلك، ونجّاه الله ومن معه وأهله إلا ابنه، وقال الله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (46) ، وقيل: لم يكن ابنه وهو وقد كفر بأبيه، وهو في الآية قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) (45) ، فهو ابنه على الحقيقة، وقيل: كان ابن امرأته ولم يكن ابنه، وقيل: بل لم يكن ابنه لأنه قد جاء عن امرأته وامرأة لوط: (فَخانَتاهُما(10 ) ) . (التحريم) ، ومع ذلك فإن الخيانة لا تعنى أن يكون الابن ولد سفاح كما يزعم المرجّفون!!

وقصة هود هي القصة الثانية، وبها سمّيت السورة «سورة هود» : أرسله ربّه إلى قوم عاد، وكانوا أتباع كل جبّار، فجحدوا بآيات الله، وعصوا رسله، فجاء أمره ونجّى هودا والذين معه من العذاب الغليظ بالريح العقيم. وقول هود: (تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) (56) ، اتخذه القدرية برهانا على صدق مذهبهم، فقالوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت