سميت الناصية ناصية لأن الأعمال قد نصّت وبرزت من غيب الغيب، فصارت منصوصة في المقادير، يعني أن الله تعالى قد قدّر الأعمال وكتبها على جباه أصحابها، وسمى الجبهة ناصية، لأنها تنصّ حركات العباد بما قدّر لهم، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي قررها الله تعالى لكل كائن قبل أن يخلقه. وهذا كلام فيه الكثير من المغالطة، لأن القدر في المقادير والكميّات، ومعناه أن كل شيء عنده تعالى بمقدار، باعتبار الخلق والتكوين، وأما أفعال الناس فهم فيها أحرار، وعلى هذا يحاسبون، وكانت التكاليف، ولذلك وصف تعالى ناصية أبى جهل، فقال: (ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) (16) (العلق) ، يعني أن ما كان يصدر عنه من أفعال وأقوال كانت جميعها كاذبة وخاطئة باختياره وإرادته، وتحت مسئوليته، وليس أن الله قد كتب عليه الكذب والخطأ!
والقصة الثالثة هي قصة النبيّ صالح مع قوم ثمود، ودعوته فيهم هي نفس الدعوة تتكرر مع كل نبيّ: أن: (اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (61) ، والاستعمار من مصطلحات هذه السورة المباركة، واستعمركم فيها: يعني جعلهم عمّارها وسكانها، وأطال أعمارهم فيها، وأمرهم بعمارة ما يحتاجون إليه من زروع وبيوت، ومصانع ومساقى، وحرث وغرس، وحفر وتشييد، وخلقهم لعمارتها، فسكناهم للأرض من نوع السكنى العمرى، أي مدى العمر، وللإعمار، بالمقارنة بسكنى آدم وحواء في الجنة، وكانت من نوع السكنى الرّقبى، أي لمدة معينة ترقب نهايتها، فمنذ أن قال لآدم: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (35) (البقرة) كان ينبغي أن يعرف أنها سكنى مؤقتة ثم تنقطع، وفي الحديث: «العمرى جائزة لمن أعمرها، والرّقبى جائزة لمن أرقبها» . أخرجه ابن ماجه. والقصة الرابعة قصة إبراهيم: وكان أول من أضاف من الأنبياء، وكان كريما وعنه ورث العرب الكرم، وبشّره الملائكة وزوجته: (بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) (71) ، فضحكت زوجته، قالوا: ضحكت يعني حاضت، فقد كانت آيسة، والعرب تقول: ضحكت الأرنب إذا حاضت؛ وقيل: ضحكت سرورا بالأمن، أو لفرح إبراهيم. وكانت هاجر قد ولدت إسماعيل لإبراهيم، فتمنت سارة أن تلد ولدا، وبشّروها بأن الولد سيلد هو الآخر ولدا هو يعقوب، وليس صحيحا ما قاله المستشرقون أن القرآن أخطأ فجعل إسحق أخا ليعقوب، بقوله تعالى: (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) (71) ؛ فالمعنى: وبشّرناها من وراء إسحاق بيعقوب. وبهذه الآية: يستدل على أن الذبيح في قصة إبراهيم هو إسماعيل وليس إسحاق، لأن سارة بشّرت بإسحاق ثم يولد له يعقوب! فكيف