فهرس الكتاب

الصفحة 963 من 2524

المسلمون. وهذه الآيات من البيّنات، وتشهد بصحة نزول القرآن من لدن الله، وصحة نبوة النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأن خبر نصرة الروم كان قبل وقوع هذه النصرة بتسع سنوات، وهي آيات معجزات لذلك، لأنها إخبار عن غيب، وفيها أن الله لا يخلف وعده، وأن له الأمر من قبل ومن بعد لو يعلمون، ولو علموا لما عجبوا، لأنه تعالى الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، وقد كان قبلهم مكذّبون عاقبهم الله، وآثارهم تشهد عليهم، وكما بدأ الله الخلق يعيده، ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون - أي تنقطع حجّتهم، ويتفرّق الناس، فإمّا صالحون (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) (15) وإما كافرون مكذّبون في العذاب محضرون. والروضة: هي البستان والجنة، والجمع الرياض: وهي الجنان؛ والحبور: هو السرور. وفي الجنات ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والأولى إذن أن يقرّ الناس بوحدانية الله، وبقدرته وعلمه سبحانه، وأن يسبّحوه صبحا ومساء، ويحمدوا له عشية وظهرا. وهو الله الذي لا إله إلا هو، يخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميت من الحيّ، ويحيى الأرض بعد موتها، وآياته في الكون لا تحصى ولا تعدّ، فهو الذي خلق البشر من تراب، وخلق لكل نفس زوجها، وخلق السماوات والأرض، وخالف بين الألسنة والألوان، وجعل الليل للنوم والنهار معاشا، وينزّل من السماء ماء يزرع الناس به، فليس من سبب إذن يجعل المنكرين ينكرون البعث والمعاد، فكما بدأ الخلق يعيده، وإعادته أهون من خلقه. وهو الله لا شريك له، ودينه هو الدين الحنيف المائل عن كل تحريف، وهو فطرة الله في خلقه، فطر الناس عليه، وهو الدين القيّم الجاد، القويم المقصد. والخطاب للمؤمنين: أن يقيموا الصلاة، ولا يشركوا بالله؛ ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا؛ وأن يؤتوا ذا القربى حقّه والمسكين وابن السبيل، وأن يمتنعوا عن الربا، وأن يحذروا الفساد الذي استشرى في الأرض فعمّ البرّ والبحر، وأن يدركوا أن من يكفر عليه كفره، ومن يعمل صالحا فلنفسه، والله نعمه كثيرة وجلّى، فالواجب أن يشكروا، والله تعالى يرسل الرسل بالبيّنات، فالمنكرون ينتقم منهم، وينصر المؤمنين، وكما يحيى الأرض بعد موتها فكذلك النشور، والناس في الدنيا أموات إذا كفروا، وأحياء لو آمنوا، والموتى لا يسمعون، وهو الذي خلق الناس من ضعف، ثم جعل من بعد الضعف قوة، ثم جعل من بعد القوة ضعفا وشيبة، ويقدر على أن يحيى من في القبور، ويوم الساعة يقسم المجرمون أن حياتهم في الدنيا ما كانت سوى ساعة، قالوا: وفي ذلك ردّ لعذاب القبر، وكذلك الآية: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) (18) (المجادلة) ، فلو كان هؤلاء رأوا عذاب القبر لما أقسموا كذبا يوم القيامة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت