[23] وأنشد أبو علي رحمه الله [249] لرجل من بني تميم: [المتقارب]
ولمّا رأين بني عاصم ... دعون الذي كنّ أنسينه
فوارين ما كنّ حسّرنه ... وأخفين ما كنّ يبدينه
وقال أبو علي رحمه الله: يصف نساء سبين فأنسين الحياء فأبدين وجوههنّ وحسّرن رؤسهنّ، فلما رأين بني عاصم أيقنّ أنهنّ قد استنقذن فراجعن حياءهنّ. إنّما رواه العلماء:
ولما رأين بني عاصم ... ذكرن الذي كنّ أنسينه
وهذه الرواية أشبه بتفسير أبي عليّ وقوله راجعن حياءهنّ ولا مدخل للدعاء هاهنا، ولا هناك مدعوّ يدعى. وفي هذه الرواية مع صحّة معناها الصناعة التي تسمّى المطابقة. وهذا التّميمي الذي أنشد له الشعر، هو ذو الخرق الطّهويّ، ومثله في المعنى قول رجل من بني عجل: [المتقارب]
ويوم يبيل النساء الدّماء ... جعلت رداءك فيه خمارا
ففرّجت عنهنّ ما يتّقين ... وكنت المحامي والمستجارا
الرداء هنا: السيف. يقول: استنقذهنّ بسيفه، فكأنّه قد وضع به خمرا على رءوسهن لأنهنّ كنّ مكشفات الرءوس فاختمرن. ويبيل الدّماء أي: يسقط الحبالى أجنّتهنّ فيسيل دماءهنّ وقال باعث بن صريم اليشكري في مثله: [الكامل]
وخمار غانية شددت برأسها ... أصلا وكان منشّرا بشمالها
وعقيلة يسعى عليها قيّمّ ... متغطرس أبديت عن خلخالها
فقوله:
وخمار غانية شددت برأسها
كقول الأول: [المتقارب]
فستّرن ماكنّ حسّرنه
وقوله:
وكان منشّرا بشمالها
إن قيل: لم خصّ الشمال دون اليمين؟ فالجواب أنّ اليمين هي التي يستعان بها في العدو، وتخلّى للدّفع والذبّ، وهي في ذلك كلّه أقوى من الشمال، فشمرة الساعي الناجي وحمله لشيء إن حمل إنّما يكون بشماله. وهذه المرأة لمّا شمّرت للهرب حملت خمارها بشمالها. وقوله: أبديت عن خلخالها أي: أغرت على حيّها فأحوجتها إلى رفع ذيلها.
والتشمير: للهرب والفرار وهذا كما قال الآخر: [الطويل]
لعمري لنعم الحيّ حيّ بني كعب ... إذا نزل الخلخال منزلة القلب
أي: إذا شمّرن للسعي فبدت خلاخيلهنّ كما تبدو أسورتهنّ. وقيل: إنه أراد تخفّفت للنّجاء فوضعت خلخالها في يدها كما فعلت تلك بخمارها. وقيل: إنه أشار إلى الدّهش والحيرة فرقا، فلم تتّجه للبس خلخالها ولا علمت موضعه من موضع سوارها.