قد كنت أحسبهم أسود خفيّة ... فإذا لصاف تبيض فيها [1] الحمّر
أكلت أسيد والهجيم ودارم ... أير الحمار وخصيتيه العنبر
ذهبت فشيشة بالأباعر حولها [2] ... سرقا فصبّ على فشيشة أبجر
قد أحال أبو عليّ. رحمه الله الرواية في بعض الخبر وفي بيت من الشعر. روى المدائنيّ وغيره قال: مرّ الفرزدق بمضرّس بن ربعيّ الأسديّ وهو ينشد بالمربد قصيدته التي أولها: [الطويل]
تحمّل من وادي غريرة حاضره
وقد اجتمع الناس حوله، فقال: يا أخا بني فقعس، كيف تركت القنان؟ قال: تبيض فيه الحمّر قال: أراد الفرزدق قول نهشل بن حرّيّ:
ضمن القنان لفقعس سوءاتها ... البيت
وأراد مضرّس قول أبي المهوش الأسدي:
وإذا تسرّك من تميم خصلة ... الأبيات
على ما أنشدها أبو علي رحمه الله إلّا قوله: «أكلت أسيّد» فإنّه محال عن وجهه، وصحّته: [الكامل]
عضّت أسيّد جذل أير أبيهم ... يوم النّسار وخصيتيه العنبر
هكذا قال الفقعسيّ للفرزدق حين عرض له بقوله: كيف تركت القنان؟ قال: تبيض فيه الحمّر، فهذا هو اللحن في المنطق والتعريض الحسن الذي يتوجّه على وجهين ويكون بمعنيين لأن قول أبي عليّ. رحمه الله تركته يساير لصاف من المحال الذي لا يكون إلّا إذا سيّرت الجبال فكانت سرابا، وكذلك رواية أبي عليّ. رحمه الله في البيت الذي ذكرناه لأنّ بني تميم لا تعيّر أكل جردان الحمار إنّما تعيّره بنو فزارة لحديث.
وذلك أن رجلا من بني فزارة كان في نفر من العرب، فعدل الفزاريّ عن طريقهم لبعض شأنه وصاد القوم عيرا فأكلوه وأبقوا جردانه للفزاريّ، فلما لحق بهم قالوا: قد خبأنا لك من صيدنا خبيئا وأقفيناك منه بقفى، ووضعوه بين يديه، فجعل يأكله ولا يكاد يسيغه ويقول: أكلّ لحم الحمار جوفان؟ فلما رأى تغامز القوم عليه اخترط سيفه وقال: والله لتأكلنّه أو لأقتلنّكم فأمسكوا عن أكله، فضرب رجلا منهم اسمه مرقمة فأطنّ رأسه، فقال أحدهم: [الرجز]
طاح لعمري مرقمه
فقال الفزاري:
وأنت إن لم تلقمه
(1) في «الأمالي» : «فيه» . ط
(2) ورد في «الأمالي» : «حولنا» . ط