أنا البازي المطلّ على نمير ... أتيح من السماء له انصبابا
وأراد النميريّ قول الطّرمّاح: [الطويل]
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت
* * * [120] قال أبو عليّ رحمه الله [1582] : قال أعرابيّ: والله ما أحسن الرّطانة، وإني لأرسب من رصاصة، وما قرقمني إلّا الكرم.
هذا وإن لم يكن فيه سهو فإنّه أورد كلاما ناقصا غير منسوب ولا مفسّر، وهو أحوج كلام إلى التفسير، فيعلم مراده بقوله: إنه لا يحسن الرّطانة، وبانتفائه من السّباحة، ومذهبه في قّرقمة الكرم له.
وهذا الكلام لأبي الذّيّال شويش الأعرابيّ العدويّ، قال: أنا ابن التاريخ، أنا والله العربيّ المحض، لا أرقع الجربان، ولا ألبس التّبّان، ولا أحسن الرّطانة، وإنّي لأرسب من رصاصة، وما قرقمني إلا الكرم.
قوله: أنا ابن التاريخ: يعني أنّه ولد سنة الهجرة. ويريد بجملة قوله: إنّه أعرابيّ بدويّ محض، من أهل الوبر لا من أهل المدر ولا من أهل الأمصار التي تكون على الأرياف والأنهار، فهم يتعلّمون فيها السّباحة وإنه لم يجاور العجم فيحسن رطانتهم، والأعرابيّ إذا قال: قدمت الرّيف، فإنما يريد الحضر، قال الأصمعي رحمه الله: قيل لذي الرّمّة: من أين عرفت الميم لولا صدق من نسبك إلى تعليم أولاد العرب في أكتاف الإبل؟ قال: والله ما عرفت الميم! إلّا أنّى قدمت من البادية إلى الرّيف فرأيت الصبيان وهم يحوزون بالفجرم في الأوق فقال غلام منهم: قد أزقتم هذه الأوقة فصيّرتموها كالميم، فوضع منجمه في الأوقة فنجنجه فأفهقها، فعلمت أنّ الميم شيء ضيّق، فشبّهت به عين ناقتي وقد اسلهمّت وأعيت.
وأمّا قوله: وما قرقمني إلّا الكرم، فإنّه يعني: أن أباه طلب المناكح الكريمة فلم يجدها إلّا في أهله، فجاء ولده ضاويا. ومنه الحديث: «اغتربوا لا تضووا» [1] أي: انكحوا في الغرائب، وقال الشاعر: [الطويل]
فتى لم تلده بنت عمّ قريبة ... فيضوى وقد يضوى رديد الغرائب
وقال آخر: [الرجز]
إنّ بلالا لم تشنه أمّه ... لم يتناسب خاله وعمّه
(1) أورد الغزالي في «أحياء» علوم الدين» (2/ 41) «ألا تكون من القرابة القريبة، فإن ذلك يقلل الشهوة، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا» أي: نحيفا وعلق على ذلك العراقي بقوله:
حديث «لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا» قال ابن الصلاح لم أجد له أصلا معتمدا.
قلت: إنما يعرف من قول عمر أنه قال لآل السائب «قد أضويتم فانكحوا في النوابغ» رواه إبراهيم الحربي في «غريب الحديث» ، وقال: معناه تزوجوا الغرائب قال: ويقال: اغربوا لا تضووا».