فهرس الكتاب

الصفحة 1110 من 2524

فكان الله ولم يكن الكون، وهو يميت، والموت من عالم الشهادة، ويبعث، والبعث نشهده في الأرض يحييها الماء، فتضج بالمخلوقات والنباتات. وهو تعالى الأول: ليس قبله شيء، والآخر: ليس بعده شيء، والظاهر: لم يظهر عليه شيء، والباطن: فليس وراءه شيء، وهو وراء كل شيء، وحقيقة كل شيء، خلق السماوات والأرض في ستة أيام، واليوم هو الوقت الاصطلاحى، أو الوقت مطلقا، من يمّم أي قصد وتوخّى، فهو الوقت الذي يستغرقه إتمام القصد، والأيام الستة قد تكون من أيام الأرض، كناية عن سرعة خلقه تعالى للكون بقوله كن، وقد تكون من أيام الآخرة، كل يوم بألف سنة من سنين الأرض، والعدد ألف يقال مجازا عن طول المدة، والحقيقة أنه لا علم لنا بالمدة التي استغرقها الخلق، فكلها أقوال تقريب الخلق العظيم من أفهام المخلوقين، وهو في الأول والآخر الخالق المبدع والعالم القادر، سبحانه. والعرش هو الكون بأسره، ما نعرف منه وما لا نعرف. والاستواء: هو التمكّن والسيطرة، فصار الكون إليه، وصار تدبيره عليه، وتحقق علمه به، وبما يلج ويعرج فيه، وبما يتنزّل منه، وهو في كل مكان، ومع كل إنسان، والزمان من إبداعه، والليل والنهار من اختراعه، وخلق لهما أدواتهما من شمس وقمر، وأرض وسماء، وشروق وغروب، وأحاط علمه بكل شيء، ولا يخفى عليه ما في الصدور، ولا ما تتحدّث به النفوس، وتحتشد له النوايا والسرائر. وبمثل ذلك بدأت السورة، فكانت قمة في التسبيح والتمجيد لله، فأرشدت المؤمن الحائر، ودلّت القلب الواعى، فكأن هذا الجزء من السورة هو مقدمة للجزء الثاني عن دعوة الإسلام، في مثل قوله تعالى: (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) (7) ، ليس لأن الله يحتاج إلى من يشهد له، وإنما لأن في الإيمان بالإسلام صلاح للبشرية وللأحوال في الأرض، والصلاح قوامه المال، والمال يؤتيه الله من يشاء ويستخلفه فيه، لينفقه صاحب المال في الخير، وربطت السورة بين الإيمان والإنفاق، بقوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (7) ، ونظرية الأجر من نظريات القرآن، والأجر هو الثواب والعقاب على العمل، ومن يجحد الثواب والعقاب جاحد لله ولتعاليم القرآن. والإنفاق من ركائز اشتراكية الإسلام، وأساس هذه الاشتراكية أن المال لله، وأن الإنسان مستخلف عليه ووكيل عن الله فيه. وقوله تعالى: (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (8) استفهام للإنكار والتوبيخ، والآية فيها أن النبوة ضرورية لمعرفة الله، ولسدّ حاجة الإنسان للشرائع، وأن الإيمان طبع مركوز في الإنسان، وهو الميثاق: شدّ الله به وثاق الإنسان بنصب القدرة فيه على الاستدلال، وأن يتفهم الحجج والبراهين فيتأكد من وجوده تعالى، ويتوثّق من وحدانيته. والآية تحضّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت