فهرس الكتاب

الصفحة 1112 من 2524

الإنسان على أن يؤمن حالا وليس مستقبلا، فإن كان به ميل للإيمان، فليؤمن الآن وليس غدا، والآن أحرى الأوقات لاستكناه الدلائل واستنباط البراهين، ومهمة النبيّ: هي تبديد ظلمة الجهل بالله ودحض إنكاره، وما يتلوه النبيّ من كتاب هو نور لأصحاب البصر والبصيرة. وليس لجحود الإنسان بالله من سبب سوى أن للإيمان تكاليف، والإنسان لا يريد ديانة مكلّفة تستنفد منه المال، مع أن هذا المال سيتركه إذا مات ليرثه غيره، وكان الأولى به إذن أن ينفقه لصالح نفسه في الدنيا والآخرة. وشتّان بين أن تؤمن وتنفق والإسلام لمّا ينتصر بعد، ولا مطمع لك في شيء، ومنطق الحال يجزم أنك تنفق على قضية خاسرة وغير مضمونة - وبين أن تؤمن وتنفق بعد انتصار الإسلام وأنت متأكد مما سيأتيك من المغانم، وكلا وعد الله الجنة - الذي أنفق من قبل والذي أنفق من بعد، ولكن مع تفاوت الدرجات. وسمّى الله الإنفاق قرضا من الإنسان لله، يردّه له مضاعفا يوم القيامة، والنور يسعى بين أيدى المؤمنين والمنفقين في طريقهم إلى جنة الخلد. وفي السورة وصف لجانب مما في الآخرة من تمييز بين الجنة والنار يفصل بينهما سور، باطنه من جهة المؤمنين المنفقين رحمة، وظاهره من جهة المنكرين الأشحاء من قبله العذاب. وتحذر السورة المؤمنين أن يكون حالهم حال اليهود، فلمّا نسوا الله قست قلوبهم وشاع بينهم الفسق، وتحضّهم على التزوّد بتعاليم الله من القرآن، وباتباع سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، لتظل قلوبهم حيّة فلا تموت عنها الرحمة، ومثل ذلك المطر ينزل على الأرض الميتة فيحييها، وكذلك الإقبال على العلم والأخذ بالدين. وأبلغ ما تدعو إليه هذه السورة هو الإنفاق، وإن شئت تصنيفها فهي سورة الإنفاق، فكما أن هناك سورا في التعبئة العسكرية، وسورا في القتال، وسورا في التوحيد، وهكذا، فكذلك هذه السورة فإنها في اشتراكية الإسلام، ومدارها: أن المال لله، وأن الأغنياء وكلاؤه، وأنه بشرع الله ينبغي أن يكون دولة بين الناس جميعا، فلا تستأثر به طبقة دون طبقة، بل يستطرق في كل الطبقات. وتعرّف السورة المصدّق والمصدّقة: بأنهما اللذان يقرضان الله قرضا حسنا. والقرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، وما يسلف من العمل الصالح، ويكون في المال يقرض للناس، أو يقرض لله، وتمثيل الصدقة بالقرض، تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، وتشبيه لعطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به الثواب في الآخرة، وكنّى الله عن الفقير المتلقى للصدقة بنفسه العليّة المنزّهة عن الحاجات، فقال: إن الصدقة قرض لله، ترغيبا في الصدقة. وهي قرض حسن، لأن نيّة التصدّق بالصدقة نيّة حسنة، وليس فيها منّ ولا أذى، وجزاء القرض: (يُضاعَفُ لَهُمْ) (18) أي كقوله: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) (الأنعام 160) ، وقوله: (فَيُضاعِفَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت