فهرس الكتاب

الصفحة 1319 من 2524

ولم يرد اسم الإنسان الأول في التوراة إلا بمناسبة أسماء المخلوقات، في العبارة 19 من الفصل الثامن من سفر التكوين، وجاء أنه آدم، ويبدو أنه اشتكى من العمل الكثير، وأبدى السأم من الوحدة، فأوقع الله به النوم، واستل أحد أضلاعه وسدّ مكانه باللحم، ومن هذا الضلع استنسخ حواء وأتى بها آدم، فلما عرف أنها من ضلعه سمّاها امرأة، لأنها مأخوذة من امرئه، ولزمها أنها من جسده، ولهذا يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيصيران جسدا واحدا. فهذه قصة الخلق كما وردت بالتوراة، وتلتها قصة الخروج من جنّة عدن، ليشقى آدم وامرأته في الأرض. فما ذا يأتي من ذلك في الأناجيل؟ لا شيء ألبتة، فالأناجيل شغلها الشاغل أن تروى عن المسيح وأعماله، وأن تمجّده وتغرس دعوته في النفوس وتشرب بها العقول. ولم يكن إعطاؤها اسم المسيحية من فراغ، لأنها الديانة التي مدارها المسيح، فكل ما يتعلق بالمسيح ترويه الأناجيل، والكلام فيها ليس عن الله وإنما عن المسيح، والدعوة فيها ليست لله وإنما الدعوة للمسيح، ولتأليه المسيح، وعبادة المسيح. والتوراة فيها من ذلك بطريقة أخرى، فمدارها اليهود، وتاريخهم، وما جرى لهم، وما جرى منهم، وما قالوه وفعلوه، واعتقاداتهم، ومركز هذه الاعتقادات تأليه الشعب اليهودي، واليهود جعلوه شعبا مختارا، وقالوا: إنه شعب الله، والنصارى قلبوا كل تعاليم اليهود ونقضوها، ولم يؤلّهوا الشعب كاليهود، ولكنهم ألهّوا واحدا منه أعطوه اسم المسيح أو يسوع، وبدلا من مقولة شعب الله قالوا: ابن الله، واعتمدوا على رواية التوراة في قصة الخلق أو التكوين، بدعوى أنهم يكملون اليهودية، ويصلحون ما أفسده اليهود منها وما حرّفوه.

والإسلام أورد عن قصة الخلق، واليهود يدّعون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يفعل إلا أن سرق روايتهم في الخلق وجعلها قرآنا! وذلك كذب وبهتان، لأن هذه القصة في التوراة لم تأت إلا كمقدمة لمجيء اليهود، وهي في القرآن لإثبات وحدانية الله، وأنه ينفرد بالخلق، وأن الخلق من أفعاله، فهو الخالق، والمبدع، ولو كان في الوجود إله غيره لعلا أحدهما على الآخر، ولاختلفا، وهذا غير وارد بالكلية في التوراة. وظل القرآن يردد عن قصة الخلق في سورة بعد سورة، وآيات بعد آيات، ليثبت بالبرهان القاطع، والحجّة الدامغة: أن الله واحد لا شريك له، وأنه قد خلق الإنسان ليعبده، وعبادته سبحانه بالعمل الصالح، يقلّده فيه، ويتواصل به معه، ويذكره به، ويتّقيه من خلاله.

ثم إن الخلق في التوراة لم يؤسس على مبادئ علمية كما يدّعى عزرا الكاتب مؤلّف التوراة في عبارته الرابعة من الفصل الثامن من سفر التكوين، وكانت كتابته للتوراة بدءا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت