فهرس الكتاب

الصفحة 1538 من 2524

يوجد خير إلا وقد وفّره له الله، فلو حرم بعض ذلك فلن يثبت له إيمان، ويقبل الله أن يحرمه إبليس من ثروته وعياله ويبقى عليه هو نفسه، وتذهب ثروته بددا، فأراضيه وخيله وبقره وغنمه يستولى عليها الأعداء، ويقتلون حشمه وخدمه، وتطيح العاصفة بسقف بيته، وتدمّر البيت على أولاده فيقتلون جميعا، الذكور والبنات، إلا امرأته. ولما أعلموا أيوب بالمصيبة الأولى شكر لله الضرّاء كما كان يشكر له السرّاء. وفي المرة الثانية لمّا عرف بفقد عياله صرخ وبكى وأهال التراب على رأسه، ولكنه ندم واستغفر. وفي المرة الثالثة لما ظهر الطفح الجلدى بجسمه جميعا وبدأت آلام بطنه، شككته امرأته في إقباله على الله رغم نوازله، فعاتبها وقال لها: أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشرّ. واشتد به المرض العضال ثماني عشرة سنة، عانى فيها أشد المعاناة، وازداد به اليأس من حالته ولكنه كان يرى بقلبه أنه في يوم من الأيام سيأتي الفرج ويكون الخلاص، وسيعود إليه رضا الله عنه، وبقى أيوب ثابت الإيمان، راسخ الاعتقاد في الله، ودائم التوكّل عليه، حتى أنه ليرى أنه إذا مات ولم يكن قد انصلح حاله فإنه حتما سيكرمه الله وسيجازيه على ما احتمل، ويقول أحد أصحابه عندئذ: ربما أن الألم الذي ينزل بالأبرار ليس غضبا من الله، ولكنه تأديب منه تعالى كتأديب الأب الشفوق بولده. وحينئذ ظهر لهم الله ينبّههم إلى ضالة ما يعرف الإنسان، وأن عقله ومعرفته لا يؤهلانه لفهم أحكامه تعالى، فيتواضع أيوب. ثم إنه يشفى ويعود لثرائه، وتعود إليه أسرته. والقصة تستغرق اثنين وأربعين فصلا، وكان لذلك أثره على شرّاح القرآن فتعرّضوا لمسائل وتفاصيل في حياة أيوب لم ترد في القرآن، وذلك هو الجانب الوحيد الذي اهتم به المستشرقون من أمثال آيزنبرج، وجرينباوم، وهوروفتس، وسيليجزون، ولم يهتموا بدراسة فروق بين القصتين في القرآن والتوراة، ودلالات ذلك من جهة الروح العامة اليهودية والعربية، وما استأثر بعناية كل من اليهود والعرب من القصة، ومردود ذلك على تفسيراتهم لاسم أيوب في العربية والعبرية. ولقد شرحنا مضمون الاسم في العبرية، وبقى مضمونة في العربية. واسم أيوب من آب أوبا، ومآبا، أي رجع، تقول: آب إلى الله، يعني تاب إليه، والأوّاب هو التائب، وكان أيوب من الأوّابين وقال فيه الله تعالى: (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (44) (ص) ،فلأنه ابتلى وصبر، وكان كثير الرجوع إلى الله بالاستغفار والتوبة والإنابة، فإنه كان نعم العبد. والصبر لا يقدر عليه إلا أولوا العزم، وللصابرين عقبى الدار، وفيهم قال تعالى: (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا) (السجدة 24) ، وأيوب صار بالصبر من الأئمة، وكان صبره في القمة، يقول تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت