فهرس الكتاب

الصفحة 2335 من 2524

الصوم، فكأنه لا نسخ هناك وإنما شرح وتفسير وبيان. ويجوز أن يعود الضمير في (يُطِيقُونَهُ) على الفداء، فيصبح المعنى وعلى الذين يطيقون الفداء فدية، قيل: فنسختها الآية: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة 185) ، والصحيح أنها لم تنسخها، حيث الأصل في رمضان الصيام، وإنما يرخّص للشيوخ والعجزة خاصة، أن يفطروا وهم يطيقون الصوم. والإجماع على أن المشايخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة، أن يفطروا وعليهم الفدية، وهؤلاء ليس حالهم كحال المرضى والمسافرين، كقوله: (وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة 185) ، والمريض والمسافر يقضيان، وأما الشيوخ والعجزة فلا يقضيان وعليهم الفداء كل يوم بإطعام مسكين. والآية: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة 190) : قالوا إن الآية منسوخة في موضعين، أولهما: الأمر بقتال من يقاتلوننا دون غيرهم، وقد نسخته الآية: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (البقرة 191) ، والآية: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) (التوبة 29) ، والآية: (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة 36) ، والآية: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة 5) ، وهي المعروفة بآية السيف؛ وثانيهما: النهي عن الاعتداء، والناسخ له الآية: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (البقرة 194) ، والصحيح أنه لا تعارض ولا نسخ، فقد أمرنا في هذه الآيات أن نقاتل من يقاتلنا، ونهينا عن مقاتلة غيرهم، وهو المراد من قوله تعالى «لا تعتدوا» ، فالقتال مسموح به لمن يقاتلوننا فحسب، وقتال غيرهم اعتداء وتجاوز للضرر المسموح به. والنهي جاء عن قتل النساء والصبيان والرهبان والشيوخ من الأعداء، لأن قتلهم لا يسوغ من المؤمنين. والمراد بالذين يقاتلوننا هم الذين يشتركون في القتال، والنهي هو نهيّ عمّن سواهم، وهم الذين ليس من شأنهم أن يحملوا السلاح أو يشتركوا في المعارك، ومن ثم فإن القول بعدم قتل المدنيين من اليهود هو تفسير خاطئ، لأن كل يهودي وإن كان مدنيا فإنه جندى احتياطى في الجيش اليهودي ضد المسلمين. وتعبير الذين يقاتلونكم لا يعني أنهم قد قاتلوا بالفعل، ولا يعني أننا لا نقاتل إلا إذا بدءونا بالقتال، فطالما هو عدو فقتاله واجب، ومباغتته أوجب. والنهي عن الاعتداء هو أن لا نقتل النساء غير المحاربات، يعني العجائز، لأن نساء إسرائيل الشابات جميعهن في الجيش. والذي تأمر به الآية ليس اعتداء، وإنما هو انتصار للحق والعدل، وردّ على الاعتداء، وسمى اعتداء من باب المشاكلة، وعلى ذلك فالآية غير منسوخة، والآيات الأخرى تفسّرها وتكمّلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت