فهرس الكتاب
الشخصية، وصاحبة مواقف كعائشة، وفي بيتها نزل الوحي كما نزل في بيت عائشة، وهي التي أشارت عليه بعد صلح الحديبية أن يخرج وينحر ولا يكلم أحدا، فلما فعل تبعه المسلمون ونحروا بعد أن كانوا يرفضون. وكان أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم حزبين، حزب عائشة وحزب أم سلمة، وكانت تؤلب على عائشة، وتراجع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورأته مرة يتحدث إلى صفية في يومها - أي يوم أم سلمة - فقالت له في صلف: تتحدث مع ابنة اليهودي في يومى وأنت رسول الله؟ وانضمت إلى شيعة عليّ حتى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت ضد خلافة أبي بكر وعمر وتدعو لعليّ، وفي الفتنة الكبرى آزرت عليا وآله وتمنت لو تخرج تجاهد معه، لولا أنها تعصى الله لو فعلت، وتستحى من الرسول في الآخرة أن تهتك الحجاب الذي ضربه عليها، وما كانت تستطيع لو فعلت، فقد كانت مسنة. وحاولت أن تمنع عائشة، وجاءت إلى عليّ تعتذر إليه عن عجزها عن الخروج معه وقدمت بدلا منها ابنها عمر، وكان حبها لعلى وآله قويا، فقيل إنها توفيت لدى سماعها نبأ موت الحسين. وكانت تقول إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يستكثر منها وإنما من عائشة، وكان عائشة هي الأخرى تقول إنه لم يكن يستكثر منها وإنما من أم سلمة، ويبين الحق من الشهادتين أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يستكثر من واحدة من نسائه، فليس الاستكثار من النساء عمله؛ وإنما عمله الدعوة، ولم يكن جمعه لهذا العدد من النساء عن شهوة، ولكن عن طيب طوية، ورغبة في عمل الخير، وأن ينأى بالنساء عن الحاجة أو الذل أو أن يمتهنهن الأغمار. ولم تمت أم سلمة إلا سنة تسع وخمسين، وكانت منذ وفاته صلى الله عليه وسلم حتى وفاتها - أي نحو تسع وأربعين سنة تشتغل بالدعوة، وتروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت برواياتها مقلّة مع ذلك، وبلغ ما روى عنها في كتب الأحاديث ثلاثمائة وثمانين (أو سبعين) حديثا، وكانت تعلّم النساء، وتفتى في الدين كعائشة، وترسل إلى عائشة تسألها وتستفتيها، ويدخل عليها الصحابة يسألونها عن سنّته صلى الله عليه وسلم، فكانت لها المكانة العالية، وإن كانت أقل مكانة من عائشة التي انفردت بلقب أم المؤمنين، وكانت أمّا من الفضليات اللائي يستظل تاريخ الإسلام بذكرهن كمعلّمة وداعية. فهل كان اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم لها كزوجة لأنه يريدها شهوة فيها، أم كان لأهداف أسمى وأكبر وأشرف