وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَضْمِينِ مَنِ امْتَنَعَ عَنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُضْطَرِّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَرَى أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ كُل مَنْ رَأَى إِنْسَانًا فِي مَهْلَكَةٍ فَلَمْ يُنْجِهِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ، وَقَدْ أَسَاءَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُهْلِكْهُ، وَلَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي هَلاَكِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مَعَ الْقُدْرَةِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُنْجِهِ مِنَ الْهَلاَكِ مَعَ إِمْكَانِهِ، فَيَضْمَنُهُ كَمَا لَوْ مَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ (1) .
وَالتَّفْصِيل فِي: (ضَمَانٌ) .
28 -يُحْجَرُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الَّذِينَ تَكُونُ مَضَرَّتُهُمْ عَامَّةً، كَالطَّبِيبِ الْجَاهِل، وَالْمُفْتِي الْمَاجِنِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ، لأَِنَّ الطَّبِيبَ الْجَاهِل يَسْقِي النَّاسَ فِي أَمْرَاضِهِمْ دَوَاءً مُخَالِفًا يُفْسِدُ أَبْدَانَهُمْ لِعَدَمِ عِلْمِهِ، وَمِثْلُهُ الْمُفْتِي الْمَاجِنُ وَهُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ الْحِيَل الْبَاطِلَةَ، كَتَعْلِيمِ الْمَرْأَةِ الرِّدَّةَ لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا، أَوْ لِتَسْقُطَ عَنْهَا الزَّكَاةُ، ثُمَّ تُسْلِمَ، وَكَالَّذِي يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ، وَكَذَا الْمُكَارِي الْمُفْلِسُ، لأَِنَّهُ يَأْخُذُ
(1) المغني 8 / 834 - 835، والدسوقي 4 / 242 و 2 / 112، ومغني المحتاج 4 / 5، والاختيار 4 / 175، وبدائع الصنائع 7 / 234، 235.