بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَحْصُل الْقَبُول فَوْرَ صُدُورِ الإِْيجَابِ، فَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَشْتَرِطُونَ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْقَبُول، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي:
19 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الإِْيجَابَ غَيْرُ مُلْزِمٍ، وَلِلْمُوجِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إِيجَابِهِ قَبْل قَبُول الطَّرَفِ الآْخَرِ، سَوَاءٌ ذَلِكَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا، أَمْ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، كَالْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَمِثْلِهِمَا، قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلِلْمُوجِبِ أَيًّا كَانَ أَنْ يَرْجِعَ قَبْل قَبُول الآْخَرِ (1) ، وَفِي الْبَدَائِعِ: لَوْ خَاطَبَ ثُمَّ رَجَعَ قَبْل قَبُول الآْخَرِ صَحَّ رُجُوعُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ شَطْرَ الْعَقْدِ ثُمَّ رَجَعَ (2) ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى صِحَّةِ الرُّجُوعِ بِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الَّذِي أَثْبَتَ لِلْمُخَاطَبِ وِلاَيَةَ الْقَبُول، فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا كَعَزْل الْوَكِيل؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ لَزِمَ تَعْطِيل حَقِّ الْمِلْكِ بِحَقِّ التَّمَلُّكِ، فَالْبَائِعُ مَثَلًا مَالِكٌ لِلسِّلْعَةِ، وَالْمُشْتَرِي يَتَمَلَّكُهَا بِالْعَقْدِ، وَلاَ يُعَارِضُ حَقُّ التَّمَلُّكِ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ (3) .
(1) الفتاوى الهندية 3 / 8.
(2) بدائع الصنائع للكاساني 5 / 138.
(3) فتح القدير 5 / 78.