يقول:"مجاهدة التقوى [ عند الصوفية] : هي الوقوف عند حدود الله ... لأن الباعث على هذه المجاهدة طلب النجاة ، فكأنها إتقاء وتحرز بالوقوف عند حدود الله عن عقوبته . وحصولها في الظاهر ، بالنزوع عن المخالفة ، والتوبة عنها ، وترك ما يؤدي إليها من الجاه ، والاستكثار من المال ، وفضول العيش ، والتعصب للمذاهب . وفي الباطن: بمراقبة أفعال القلب التي هي مصدر الأفعال ، ومبدؤها: [ خوفه ] أن يلم"
بمقارفة محظور ، أو إهمال واجب" ( ) ."
[ من حكايات الصوفية ] : المجاهدة عند الكاملين
يقول الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي:
"إن المجاهدات في البدايات ، وعند الكمال ينتقل الفعل إلى القلوب وتستريح"
الجوارح ، ويصير البدن مع الكامل كالدابة المطيعة ، كلما زاد في علفها زادت في سيرها ، وتصير النفس معه في حيز الاعتدال لا إفراط ولا تفريط كما هو حاله .
وقد ورد عن الجنيد حكاية تشرح ذلك . قال:
كنت ليلة في قلق فأردت أن أصلي فلم اقدر ، وأردت أن أجلس فلم أقدر ، فخرجت من المنزل فرأيت شخصًا ملفوفًا بعباة فقال: إلى الآن يا أبا القاسم ؟
فقلت: من غير موعد يا سيدي .
فقال: بل سألت الله محرك القلوب أن يحرك قلبك .
قلت: فماذا تريد يا سيدي ؟
قال: متى يكون داء النفس دواءها ؟
قلت: إذا خالفت هواها .
فأقبل على نفسه فقال لها: قد أجبتك سبع مرات بهذا الجواب ولم ترض حتى وقع لك سماعه من الجنيد .
وفي جواب الجنيد شرح لما تقدم من أن النفس إذا خالفت هواها في البداية بالمجاهدات وتركت الشهوات لم يضرها بعد ذلك شيء من الشهوات ، كما كان يأكل اللحم ويحب الحلوى ، لأن النفس صارت مطيعة مطمئنة ولا تتغير .