فتلك المذاهب الفلسفية والعقلية ، قد استمدت معارفها من التفوق العقلي تارة ومن الصفاء الروحي تارة أخرى ، أما التصوف الإسلامي ، فمعارفه ، نَبْعُها ، عقيدته الإسلامية ، ومددها: فيض رباني داخل نطاق تلك العقيدة القرآنية ، وبأسرار عبادتها ، وبذلك تحددت رسالة التصوف وعرفت ضوابطها ، بينما أعنت المعارف الروحانية الأخرى ، لا تقبض عليها يد تتحاكم إليها ، ولم ترسم لها شريعة ترجع لها ولم تنبت معارفها في حقل إيماني سماوي يمنعها من النزوات والاندفاعات .
التصوف الإسلامي آية ، سرها في الهدى القرآني والروحانية المحمدية ، وإني لأحسبه أحيانًا آية كونية لأنه ضرورة لازمة لهذا الوجود وغاية من غايته وحجتنا قوله تعالى:
] وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْأِنْسَ إِلّا ليَعْبُدونِ[ ( ) . والتصوف هو أكمل صور العبادات لخير أمة أخرجت للناس . لأنه تطوع دائم للعبادات . تطوع بعد الفرائض والنوافل . ولهذا لم يكن شرعة عامة بل كان ميزة خاصة لمن أخذ الكتاب بقوة واصطفاه الله واتاه عزمًا وعلمه من لدنه علمًا .
واذًا فلن نغالي إذا قلنا: أن قمة المعارف اللدنية التي بلغتها الاجنحة الصوفية الإسلامية لم تبلغها بل لم تدن منها الأجنحة الأخرى . لأنها قمة المحبة الربانية وهي قمة لا تصل اليها إلا الأجنحة المحمدية المؤمنة العابدة" ( ) ."
يقول الشيخ أبو يزيد البسطامي:
"نشأت البذرة الحقيقية للتصوف في عهد آدم ، وهي: أعجوبة الحياة والوجود ."
وقد نبتت هذه البذرة في عهد نوح ، وهي: معجزة النمو . وأصبح لهذه النبتة في زمن إبراهيم أربعة فروع وتلك معجزة الانتشار والبقاء .
وشهد عهد موسى منشأ العنب وهذه معجزة الفاكهة .
أما عهد عيسى فقد شهد نضج المحصول وهذه معجزة الذوق والفرح .
أما عهد محمد فقد شهد عصير العنب الصافي ، وهذه معجزة الوصول والتحول الروحي" ( ) ."
ويقول الباحث طه عبد الباقي سرور: