أما التصوف الاسلامي ، فقد تتشابه وسائله في الزهد والنسك والتصفية والتخلية والتأمل والطهارة ، مع هؤلاء وهؤلاء . ولكنه تشابه عرضي وتقارب شكلي . لأن التصوف ليس مذهبًا من مذاهب الفلسفة . وليس نحلة من نحل الزاهدين والمتأملين . وليس هدفه من تلك الوسائل ما تهدف إليه الفلسفة من كمال عقلي وطاقة نظرية . وما ينشده الزهاد والنساك من اطلاق لقوى الروح ، حتى تأتي بالعجائب والغرائب .
وأنما التصوف الاسلامي: كمال في العبادة . وكمال في الطاعة . وكمال في
العبودية . هو محبة الله . وعمل على رضاه ، وأمل في نجواه ، هو أنشودة يشترك فيها القلب والروح والحس والجوارح ، أنشودة تسبح بحمد الله لا تفتر ولا تهدأ لأن لحنها دائم الحياة في القلب ، دائم الحياة في الروح ، دائم الحياة في الادراك والحس .
أنشودة تحيل الكون بأسره إلى آية ربانية . يلمسها القلب كما تراها العين وتسمعها الأذن . كما تدركها الروح . فإذا بكل شيء محراب . وإذا بكل شيء مصلى . وإذا بالصوفي لا يبرح المحراب ولا يفارق المصلى ، أينما توجه بوجهه وسبح بفكره . إنه دائم مع الله فهو متأدب بأدب من أحس يقينًا في كل لمحة بصر بأن الله معه يسمع ويرى .
وما يأت بعد ذلك من علم وفيض . وما يأت بعد ذلك من خارقة أوكرامة ، وما يأت بعد ذلك من كمال روحي أو اشراق نفسي ، فهو نافلة ، لأنه وسيلة لا غاية ، وسلم لا هدف .
فالمعارف الصوفية اذًا ثمرة الكمال في العبادة ومنحة الفيض في الطاعة وانوار القلب في محبته ونجواه . إنها حلى الطريق ، لا أساسه وروحه .
وإذًا فلا سبيل إلى اقامة صِلة من الصلاة بين التصوف الاسلامي وبين أي لون من ألوان الروحانية العالمية .
ولا سبيل إلى المقارنة بين المعارف الصوفية الاسلامية وبين المعارف الفلسفية والنظرية العقلية التي جرت على وجه الارض مع أعّنة التاريخ الانساني .