"قال بعضهم: لما أجابوا التلبية فدخلوا الحرم ومقامه مقام الدهليز ، ثم دخلوا الحرم باعتقاد ترك كل محرم . ثم أشرفوا على الكعبة ، فأشرف عليهم حال من الحق بإشرافهم على [ الكعبة ] . ثم دخلوا المسجد الحرام ، فشهدوا عند ذلك قربه ، فطافوا ولاذوا وهللوا وهرولوا وتعلقوا بأستار بيته ، فكان في ذلك هربهم من الدنيا ، والحجر شاهد لهم بوفاء عهودهم . وخرجوا إلى الصفا فصفوا من كل كدورة من آفات الدنيا والنفس . ولما وصلوا إلى عرفة ، عرفوا ما أقروا به والتزموه من الأمانة حين عرض عليهم ، فلما وقفوا بها أقبلوا على المولى وخلفوا الدنيا . فلما باتوا بالمزدلفة ازدلفت عليهم الرحمة ، وتمت عليهم النعمة . فلما ذبحوا قربانهم أشاروا إلى ذبح أنفسهم تحت قضاء الله . وإذا رموا الحجر أشاروا إلى رمي الطمع عن دون ما سوى الله والقناعة به دون غيره . ولما وصلوا إلى منى وقع بهم التمني لما يأملون فأعطوا ما تمنوا" ( ) .
يقول الشيخ ذو النون المصري:
"الاعتبار بالمناسك [ للحج ] والوقوف على معانيها وحقائقها وذلك أن:"
أول حال من أحوال الحج العزم عليه ... يخرج من داره كخروج الميت من دار الدنيا إلى دار الآخرة ... فإذا دخل البادية فكأنما أُدخل قبره ، وعديله ، عدله في نفسه ... وأنيسه العمل الصالح والذكر .
فإذا بلغ موضع الإحرام فكأنه ميت ، نشر من قبره ، ونودي بوقوفه بين يدي ربه
تعالى ...
والتلبية: إجابة النداء بقوله لبيك اللهم لبيك لا شريك لك في وحدانيتك وإلهيتك وربوبيتك ...
والاغتسال للإحرام: كغسل الميت .
ولبس ثياب الإحرام: كالكفن .
فإذا وقف في الموقف أشعث أغبر: كأنه خرج من قبره والتراب على رأسه ...
والمزدلفة: كالجواز على الصراط .
ورمي الجمار: كدفع البراءة ...
والصفا والمروة: ككفتي الميزان ، الصفا الحسنات ، والمروة السيئات ...