"العزلة للعارفين الذين اطلعوا السر فباتوا صامتين . إذ كلام الناس يدور إما حول أسباب المعيشة ، وإما انتقاد بعضهم بعضًا ، وإما التخبط في أسئلة ميتافيزيقية لا يملكون حيالها أجوبة معينة شافية ."
والعارف عارف لكنه غير قادر على نقل معرفته إلى الناس إلا بقدر . ووجوب الحفاظ على الحدود التي أمر الله بها فريضة وإلا لفسدت الأرض وفقدت الحياة معناها ، ومعرفة العارف تتجاوز هذه الآفاق ، فكيف يفرغ البحر في دلو أو قدح ؟
لذلك فالعارف معتزل ، وعزلته أنسه بالله ـ عز وجل ـ الذي قربه وآنسه وتبسط إليه وأطلعه على خفايا الغيب فرأى ما لا عين رأت وسمع ما لم يخطر على بال بشر .
ويشارك العارف الناس مجلسهم ويآكلهم ويشاربهم ويسامرهم ويلقي إليه مما عنده من علوم ، ولكنه في حقيقة أمره وحيد متوحد معتزل منعزل ، لأن صاحب الحقيقة غريب عن الدارين قدرنا إلى اللامتناهي حتى صارت روحه روحه" ( ) ."
يقول الشيخ الأكبر ابن عربي:
لا تفرحن بالاعتزال فإنه جهل وأين الله والأرواح
نور الإله أجل منك نفاسة ومع الجلال جليسه المصباح
لم يعتزل عن نور كون حادث وإلى التعلق ذاته ترتاح
لو أن نور الحق معتزل لما ظهر الوجود ودامت الأفراح
بالنور من فلك البهاء إذا بدا للناظرين أضاءت الأشباح