"العارف إذا زهد في الآخرة يقول لها: تنحي عني فإني طالب باب الحق ـ عز وجل ـ أنت والدنيا عندي واحد ... اسمعوا هذا الكلام فإنه لب علم الله ، لب إرادته من خلقه وفي خلقه ، وهو حال الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين" ( )
[ مسألة - 22] : في مقام ترك الزهد
يقول الشيخ الأكبر ابن عربي:
"اعلم إن ترك الترك إمساك ، والزهد ترك ، وترك الزهد: ترك الترك ، فهو عين رجوعك إلى ما زهدت فيه ، لأن العلم الحق ردك إليه والحال يطلبه ، فما له حقيقة في باطن الأمر ، لكن له حكم في الظاهر ، فيصح هذا القدر منه وبقى ، هل يقع الإمساك الذي هو ترك الزهد عن رغبة في الممسوك أو لا عن رغبة فاختلفت أحوال الناس فيه ... فمن أمسك لا عن رغبة ، فهو زاهد أمين على إمساك حقوق الغير حتى يؤديها إلى أربابها في الأوقات المقدرة المقررة . وقد يكون عن كشف وعلم صحيح بأعيان أصحابها ، وقد لا يكون ، غير أنه لا يتناول منها شيئًا في حق نفسه إذ كان بهذه المثابة . ومن أمسك عن رغبة في الممسوك وهم رجلان ، الواحد راجع عن مقام الزهد بلا شك لمرض قام به في نفسه فهذا ليس"
بشيء ، والرجل الآخر وهم الأنبياء والكمل من الأولياء ، فأمسكوا باطلاع عرفاني أنتج لهم أمرًا عشقه بما في الإمساك من المعرفة والتحلي بالكمال ، لا عن بخل وضعف يقين أرسل الله على أيوب جراد من ذهب ، فسقط عليه ، فأخذ يجمعه في ثوبه ، فأوحى الله إليه ألم أكن أغنيتك عن هذا ؟ فقال: لا غنى لي عن خيرك ، فانظر ما أعطته معرفته . وما زهد من زهد إلا لطلب الأكثر فزهد في الأقل قال تعالى: ] قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلَيْلٌ[ ( ) ، فأين الزهد ؟ فما تركوا الدنيا إلا حذرًا أن يزرأهم في الآخرة ، فهذا عين الطمع والرغبة فيما يتخيل فيه أنه زهد ، وهذا هو مقام ترك الزهد ، وأما حاله: فالزهد في الدنيا ولهذا لا يثبت" ( ) ."
[ مسألة - 23] : في انعدام وجود الزهد في الدنيا