فقال: بجمعه بين الضدين … فاجتماع الأضداد يؤدي إلى الحيرة ، ولكنها حيرة عين العلم ، كما في جملة الخراز: ( عرفت ) إذن حيرة عرفان ( لأنها موقف مع كون الحيرة لا مع الحيرة نفسها ) .
نستطيع الآن أن نورد تعريفًا للحيرة عند الشيخ الأكبر ، بعد ما كشفنا مكانتها . فنقول:
الحيرة: هي الغرق في بحار العلم بالله ، مع دوام النظر إلى توالي تجلياته ، ومعرفته في كل تجل - وهي الغاية التي إليها ينتهي النظر العقلي والشرعي وكل سلوك في طريق المعرفة بالله .
إن مفهوم الحيرة الذي يتبادر إلى الذهن هو إبهام يستشف منه ضلال ، لكن ابن عربي وضع الحيرة لا في مصاف العلم بل هي ( فرط ) العلم ، فمن فَرْطِ العلم حارَ الحائر ، لذلك كان التعريف: أنها غرق في بحار العلم .
ولتقريب مفهوم الحيرة هنا نعطي مثلًا من قبيل التجوز: إذا نظرنا إلى أسفل من مكان مرتفع نشعر بدوار . كذلك الحيرة دوار عقلي نتج عن محاولة تتبع التجليات الإلهية على اتساعها ، فاتساع التجلي علم ولكنه أدى بالخلق إلى ( الدوار ) أي الحيرة ، وبذلك تكون الغاية التي يصل إليها العالم بالله والعارف لوجه الحق في كل تجل هو هذا الدوار أي هذه الحيرة ( إذ إن الاتساع للفكر والعقل كالعمق للنظر إن جاز التعبير ) .
ونلحظ من هذا التعريف الفرق بين الحيرة والعلم ، فبينما العالم يحيط بالعلم نجد الحيرة تحيط بالحائر ، فالحائر غارق في بحر العلم ، لكن هذا الغرق لا يغيبه عن إدراك توالي التجليات الإلهية ، يقول ابن عربي:
"ثم تتوالى عليه ( على الفرد من طائفة أهل الله ) التجليات باختلاف أحكامها فيه ... فيزيد حيرة لكن فيها لذة ... فكانت حيرتهم ( الطائفة ) باختلاف التجليات أشد من حيرة النظار في معارضات الدلالات ، فقوله: ] زدني فيك تحيرًا [ ( ) طلب لتوالي التجليات عليه ، فمن وصل إلى الحيرة ... فقد وصل ..." ( ) .
"فليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، وذلك هو الفضل المبين ."