"لما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة ... فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال والتروك والكلام في هذه الأذواق والمواجد التي تحصل عن المجاهدات ، ثم تستقر للمريد مقامًا ويترقى منها إلى غيرها . ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم ... ليس لواحد من أهل الشريعة الكلام فيه . وصار علم الشريعة على صنفين:"
صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا ، وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات .
وصنف مخصوص بالقوم [ الصوفية ] في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك" ( ) ."
والمتحصل مما تقدم أن إقبال الخلق على الدنيا وإعراضهم عن الحق دفع أهل الله إلى مواجهة هذه الحالة بإظهار الزهد والورع والتقوى وغيرها من مقومات علم التصوف بشكل يختلف عما كان عليه الأمر في القرن الأول وكنتيجة لهذا الإقبال على هذا الجانب من الدين الإسلامي برزت جوانب من المصطلحات الصوفية بشكل أعمق مما كانت عليه في السابق ، كما وظهرت معها آثار صوفية جديدة أو أقوى مما كانت في العهد الأول كرد فعل يكافئ ظروف المجتمع الإسلامي التي تدنت آنذاك والتي أعرض فيها الناس عن مراقبة الله تعالى وخشيته .
إن المصطلحات الصوفية في هذه المرحلة كانت تتناقل في عبارات يلقيها الواعظون والدعاة الصالحون فيحفظها الناس ويبلغونها أو يكتبونها ، والذي يتصفح التراث الأدبي يجد الكثير منها في أمهات الكتب لتلك الفترة كما في كتاب ( البيان والتبيين ) للجاحظ و ( الكامل ) للمبرد ، ومنهم من أفرد أبوابًا خاصة لحكم الزهاد ومواقف الوعاظ واصطلاحاتهم الرفيعة .