فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفي هذه العبارة الأخيرة نشاهد الرأي الغالب عند متأخري الصوفية والكتاب عامة ممن لا ينكرون هذه الظاهرة في ذاتها ، ولا يستشنعون الكلمات الشطحية ، بل يرون أن الخطأ الوحيد فيها هو أن أصحابها يفصحون بها دون إذن إلهي . وأصحاب هذا الرأي إنما يريدون التوفيق بين الاعتراف بصحة الشطحيات وبين إنكار ما يدل عليه ظاهرها مما استبشعه أهل السنة وخصوم الصوفية . ولهذا جاء رأيهم هذا غامضًا ، لأنه لا معنى لقولهم: ( دون إذن إلهي ) - إذ أن أولئك الذين باحوا بهذه الأسرار لم يشعروا بأنهم أذاعوا أسرارًا محرمة . كما أنهم جعلوا كل الشطحيات تتدرج تحت هذا ، ونقصد بالشطحيات كل الكلمات التي تتصف بالخصائص التي أوردناها في أول هذا البحث ، فلم يذكر هؤلاء الكتاب أن ثمة كلمات من هذا النوع قد أذن بها ، وأن أخرى غيرها لم يؤذن بها ، بل كل ما وجدوه مما يخالف المألوف ، عدوه شطحًا ، وإذًا فلا معنى لهذا القول: ( دون إذن إلهي ) إلا إذا كان قد تم الإذن بالنسبة إلى كلمات من نفس النوع ، أما وهذا لم يحدث ، فقولهم هذا غير محصل ، وما لجأوا إليه إلا من باب الاعتذار عن تلك الكلمات دفاعًا عن أصحابها ضد الفقهاء وخصوم الصوفية .
ولعل السبب في هذا الدفاع على هذا النحو ما شاهده الصوفية أنفسهم بعد عهد الحلاج من خطر يتهددهم إذا أوغلوا في الشطح . فمن باب الأمن على أنفسهم آثروا أن يلتزموا الصمت في هذا الباب إذا وردت عليهم واردات من قبيل الشطحات . فمصير الحلاج إذن كان أبلغ عبرة لهم في هذا الباب .
بالسر إن باحوا تبُح دماؤهم وكذا دماء البائحين تُباح