ولنترك أحكام ابن عربي تثبت ما أوردناه: يقول: ..."إن كل حكم ينفذ اليوم في العالم أنه حكم الله ـ عز وجل ـ ، وإن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى شرعًا إذ لا ينفذ حكم إلا لله في نفس الأمر ، لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو على حكم المشيئة الإلهية لا على حكم الشرع المقرر ، وإن كان تقريره من المشيئة ، ولذلك نفذ تقريره خاصة ... فلا يقع في الوجود شيء ولا يرتفع خارجًا عن المشيئة ، فإن الأمر الإلهي إذا خولف هنا بالمسمى: معصية ، فليس إلا الأمر بالواسطة لا الأمر التكويني ، فما خالف الله أحد قط في جميع ما يفعله من حيث أمر المشيئة ... وعلى الحقيقة فأمر المشيئة إنما يتوجه على إيجاد عين الفعل ، لا على من ظهر على يديه فيستحيل إلا يكون ..." ( ) .
"المشيئة والعلم"
إن المشيئة في شمولها للوجود تغاير الإرادة كما سبق ، وتلامس بذلك العلم الإلهي ، لأن العلم الإلهي يشمل كل الموجودات ونراه يبسط سلطته على الممكنات ما ظهر منها وما لم يظهر ، شأنه في ذلك شأن المشيئة .
ولكن ما يميز بينهما إذا استثنينا صفة ( الفعل ) هو أن المشيئة تابعة للعلم ، لأن
الحق ـ عز وجل ـ يشاء الأشياء على ما يعلمها ، ويعلمها على ما تعطيه من ذواتها ، ولا يخفى ما في ذلك من جبرية إثارات نقد الباحث في ابن عربي .
ولكن لا يجب أن نغفل أننا إزاء نظرية تجد وحدة الوجود من البديهيات ، فالمعلوم لا يخرج عن كونه مجلى للعلم ومظهرًا ، وهذا العلم نسبة معدومة موجودة الحكم ، ترجع إلى الذات . فما حكم على الله إلا الله وحده .
فعند الشيخ الأكبر العالم والمعلوم والعلم واحد . يقول ابن عربي:"ولهذا قال: ] إِنْ يَشأْ يُذْهِبْكُمْ [ ( ) ... لو شاء ، لكنه ما شاء فليس الأمر إلا كما هو ، فإنه لا يشاء إلا ما هي الأمور عليه ، لأن الإرادة لا تخالف العلم ، والعلم لا يخالف المعلوم ، والمعلوم ما ظهر ووقع ، فلا تبديل لكلمات الله فإنها على ما هو عليه ..." ( ) .