ولما ظهر التأليف في مختلف العلوم سرى إلى ناحية التصوف فبدأ القوم يكتبون الكتب المبينة لمناهجهم وآراءهم والتي تكشف عن حقائق رموزهم واصطلاحاتهم لمريديهم وأتباعهم استكمالًا لحاجات الدين مما لابد منه لحصول البر والتقوى ، فكما أن هناك فقهًا للفروع فإن التصوف هو فقه للأصول ، وكما أن هذا الفقه فقه للجوارح فإن التصوف فقه للقلوب ، ولا يمكن أن تكتمل الأصول إلا بالفروع ، كما لا يمكن أن تكتمل الفروع إلا بالأصول لذلك كانت حاجة المسلمين ماسة بعد القرن الثاني من الهجرة لعلم التصوف ، وكان لابد أن يجتمع الزهاد والعباد ليرتبوا هذا العلم ويدونوه ، محافظة على التراث الإسلامي ، يقول ابن خلدون:"لما كُتِبت العلوم ودونت ، وألف الفقهاء في أصول الكلام والتفسير وغير ذلك ، كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقتهم . فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك كما فعله المحاسبي في"
كتاب ( الرعاية ) ... ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجدهم في الأحوال ، وصار علم التصوف في الملة علمًا مدونًا ، بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت في الكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك" ( ) ."
وهنا لا نستطيع أن نجزم بالتحديد ظهور المؤلفات الصوفية الاصطلاحية الخاصة إلا أننا نستطيع القول إن من أوائل ما ظهر كتاب ( الرعاية لحقوق الله ) لأبي الحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243 هـ ) الذي كان من علماء مشايخ القوم بعلوم الظاهر وعلوم الإشارات وكان أستاذ أكثر البغداديين وكتابه يعتبر أول كتاب جامع لأبواب السلوك العملي في أسلوب علمي .
ولو تتبعنا المصطلحات الصوفية في هذا القرن لوجدنا أن تطورًا في غاية الأهمية قد طرأ عليها وذلك هو حدّ المصطلح الصوفي بشكل بيّن وواضح من حيث المقاييس