العلمية ، وذلك ناتج عن التطور الكبير الذي حصل لعلم التصوف نفسه في هذه المرحلة فقد ظهرت حالات صوفية جديدة كالاعتقاد بأن الزهد وترك الدنيا والعبادات بشكل عام ليست هي الهدف النهائي أو الغاية المقصودة من إيجاد الخلق بل إنها مقدمة لهدف أعلى ، وعلى أساسها ظهرت عقيدة عدم الاتكال على الطاعة بحد ذاتها لأنها من الممكن أن تكون نفسها حجابًا عن المعبود أحيانًا . وظهر كذلك تعمق الاهتمام العظيم بالعشق والمحبة والقلب والذهول والهيام ، واعتبار كل شيء مظهرًا للحق تعالى . إلى غير ذلك من العقائد والمفاهيم التي فتحت أبواب هذا العلم على مصراعيها ، فظهر نتيجة لكل ذلك اصطلاحات وتعابير خاصة غاية في الأهمية فقد قام سائر كبار صوفية هذا العهد مثل الشيخ ذو النون المصري ( ت 245 هـ ) والشيخ أبو يزيد البسطامي ( ت 261 هـ ) والشيخ سهل التستري ( ت 283 هـ ) و الشيخ الجنيد البغدادي ( ت 267 هـ ) والشيخ الحسين بن منصور الحلاج ( ت 309 هـ ) وغيرهم بالتعبير عن هذه الأفكار والعقائد بمصطلحات مختلفة مالوا جميعًا - قليلًا أو كثيرًا - إلى الأخذ بعقيدة ما اصطلح على تسميته بـ ( وحدة الشهود ) ولم يروا شيئًا سوى ذلك .
ولقد لفت هذا التغيير في الألفاظ والاصطلاحات والمنهج نظر الناس إلى أفكار الصوفية وأقوالهم وسلوكهم ولا سيما طبقة من المتفيقهين الذين عدّوا هذه الأقوال والمصطلحات خطرًا على جماعة المسلمين .
ونتيجة لذلك بدأت بذور الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث المطهرة تزرع في أرض الفكر الصوفي ، فقد أقدم أفراد من كبار الصوفية بحكم الضرورة على التأليف ليدافعوا عن أنفسهم بسلاح القلم بعد أن كان علم التصوف في السابق وقفًا على القول المقرون بالعمل . فكان من ثمار تلك النهضة أن ظهرت أول موجة من المصطلحات الصوفية بشكل فني وعملي ، بمعنى أن المصطلح قد حد في هذا العصر بشكل بيّن وواضح من حيث المقاييس العلمية .